فهرس الكتاب
وقوله: {على الخوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم} جمع الضمير في {وملائهم} لعدة أوجه منها: أن فرعون إذا ذكر علم أن معه غيره فعاد الضمير إليه وإلى من معه - ومنها: أنه إخبار عن جبار، والجبار مخبر عن نفسه بلفظ الجمع فيقول: نحن فعلنا كذا وكذا - وقيل: في الكلام حذف مضاف وتقديره: على خوف من آل فرعون - فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه 91 - والمعنى: أن هؤلاء آمنوا مع الخوف من فرعون أن يعذبهم فيصرفهم عن دينهم.
قوله: {وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين} أي عات متجبر مستكبر - وهو كذلك من الغلاة في الطغيان والظلم، المجاوزين الحد في الكفران - لقد بلغ فرعون من فظاعة الجحود والعتو أن ادعى الربوبية والألوهية لنفسه - لا جرم أن هذا عدوان فادح صارخ؛ بل إنه ذروة المغالاة في الاستكبار والاغترار الذي لا سبيل له في الدنيا إلا البوار؛ ليفضي بعد ذلك إلا الاستعار في النار 92.
قوله تعالى: {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين 84 فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين 85 ونجنا برحمتك من القوم الكافرين} قال موسى لقومه بنيس إسرائيل: إن كنتم صدقتم بوحدانية
الله وأقررتم بربوبيته ففوضوا أمركم إليه ليكون عليه اعتمادكم والتكلان؛ فإن الله لن يخذل أولياءه المتوكلين عليه {إن كنتم مسلمين} أي إن كنتم مستسلمين لأمره، خاضعين لشرعه، مذعنين له بكامل الطاعة والامتثال.
قوله: {فقالوا على الله توكلنا} أي اعتمدنا عليه، وفوضنا أمرنا إليه، ووقنا من نصره ثقة مصدرها اليقين والإيمان.
قوله: {ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين} أي لا تخذلنا بنصر المشركين قوم فرعون علينا فيكون ذلك فتنة لنا عن ديننا، أو لا تمتحنا بتعذيبنا على أيداهم فيروا أنهم خير منا ويزدادوا طغيانا - وقيل: لا تسلطهم علينا فيضلونا ويفتنونا عن ديننا.
قوله: {ونجنا برحمتك من القوم الكافرين} يعني: خلصنا من أيدي الطغاة الظالمين، فرعون وملائه المتجبرين المجرمين؛ فقد كانوا يستبعدون بني إسرائيل ويستملونهم في الأعمال الصعبة والمهينة كإزالة القاذورات،
والقيام بخدمتهم، وكل أنواع الأعمال الشاقة.
قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين} أوحي الله إلى نبييه موسى وهارون {أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا} أي اتخذا بيوتا - تبوأ المكان بمعنى اتخذاه مبوأ - كقوله: توطنه يعني اتخذاه موطنا - والمبوأ يعني المنزل - بوأه منزلا؛ أي هيأه ومكن له فيه 93.
والمعنى: اجعلا بمصر بيوتا لقومكما ومرجعا ترجعون إليه للعبادة والصلاة.
قوله: {واجعلوا بيوتكم قبلة} أي اجعلوا بيوتكم مساجد تصلون فيها؛ فقد ذكر أن بني إسرائيل كانوا لا يصلون إلا في بيعهم وكنائسهم وكانت ظاهرة يراها جنود فرعون، وكانوا لا يصلون إلا وهم خائفون، فأمروا أن يتخذوا بيوتهم مساجد يصلون فيها - وقيل: اجعلوا بيوتكم قبلة، يعني الكعبة.