فهرس الكتاب

الصفحة 579 من 2536

قوله: (ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله) معناه أنهم يفرقون بين الإيمان بالله، والإيمان برسل الله - ذلك أنهم آمنوا بالله وجحدوا نبوة بعض الرسل وهم مع ذلك يظنون أنهم على شيء - وهم في الحقيقة ليسوا على شيء - فالتفريق في الإيمان بين الله ورسله كفر؛ لأن الله فرض على الناس أن يعبدوه بما شرعه لهم على ألسنة الرسل فإذا جحدوا الرسل وردوا عليهم شرائعهم كانوا من المستنكفين عن التزام العبودية لله وذلكم كفر.

قوله: (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض) ذلك أن أهل الكتاب يجاهرون معلنين عن جحودهم نبوة بعض المرسلين مثل تمالؤهم على نكران نبوة محمد (ص) فهم ينكرون أي ذكر لهذا النبي الكريم، ويزعمون في كذب ظالم أنهم لم يجدوه في كتبهم، مع أن الأخبار الصحيحة المستفيضة التي احتوتها كتب السيرة وأقوال الباحثين والعلماء وأحبار اليهود قد أجمعت على ذكر النبي محمد (ص) في الكتب المنزلة من قبل القرآن - وليست المسألة بعد ذلك منوطة بالذكر أو البيان أو الإعلان، ولكن المسألة منوطة بالنفوس التي يخالطها المرض والضغينة - أو الطبائع الوالغة في الزيف والفساد، فلا تستمرئ غير الكذب والخداع والافتراء، ولا تستسيغ إلا العيش في الرجس والخضوع للهوى الجانح والمزاج المريض.

إن هذه النفوس والطبائع هي التي تسول للمشركين والجاحدين أن ينكروا نبوة الرسول العظيم خاتم النبيين والمرسلين لا لشيء إلا مجانبة للحق وركونا للشيطان.

وقوله: (ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا) أي طريقا وسطا بين الإيمان والكفر - فإيمانهم ببعض النبيين وكفرانهم بآخرين أوهمهم أنهم ماضون في طريق سليمة وسط، لكن ذلك عين الجحود والكفران، لقوله سبحانه فيما يصف هذا الصنف من الناس:

(أولئك هم الكافرون حقا واعتدنا للكافرين عذابا مهينا) واسم الإشارة يعود على الذين يكفرون بالله ورسله، ويفرقون بين كل من الإيمان بالله والإيمان برسله، ويكفرون ببعض ثم يظنون - واهمين- أنهم على الحق لاتخاذهم في ذلك سبيلا وسطا.

وهؤلاء قد وصمتهم الآية بالكفر الصراح من خلال تعبير حاسم لا يعرف المداهنة أو اللين في مثل هذا الموقف فقال سبحانه: (الكافرون حقا) وذلك تأكيد قاطع على أن هؤلاء كافرون كفرانا كاملا كيلا يتغرر بهم أحد فيتوهم أنهم على شيء من الإيمان؛ لأنهم يصدقون بعض النبيين - وقوله: (حقا) منصوب على الصدر - وعامله محذوف - أي حق ذلك حقا - وقيل: حقا صفة لمصدر الكافرين أي هم الذين كفروا كفرا حقا لا ريب فيه - وهذه القضية بالذات يعاني منها الدعاة إلى الله، الذين يحملون عقيدة الإسلام عن وعي وثقة عميقين في هذا الزمان وهي أن كثيرا من الذين يحملون عقيدة الإسلام عن وعي وثقة عميقين في هذا الزمان وهي أن كثيرا من المخدوعين الجهلة يفترون على الله الكذب وهم يصدرون الفتوى الضالة بأن أهل الكتاب مؤمنون وأنهم ليسوا كافرين - ذلك افتراء جاهل وكذاب وخبيث لا يقوله إلا جهلة مضللون أو معاندون معرضون من خصوم الإسلام الذين ينتشرون في جنبات الأرض في كل زمان - ونود أن نذكر في حسم قاطع أن أهل الكتاب ليسوا مسلمين ولا مؤمنين - فإن المؤمن كما يصوره الإسلام هو الذي آمن بالنبيين والمرسلين جميعا من غير أن يجحد نبوة أحد منهم - وإذا لم يكن كذلك فهو في شرع الإسلام كافر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت