قوله: {ويعلم ما تكسبون} الكسب، الفعل الذي يفضي إلى النفع أو الضرر - فالله عز وعلا عليم بما يصدر عن الإنسان من خير أو شر فيجازيه على ذلك 5.
قوله تعالى: {وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزءون (5) ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكنهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهر تجري من تحتهم فأهلكنهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا ءاخرين} ذلك إخبار من الله عن جحود المشركين وعن عنادهم وإعراضهم عن الدلائل الظاهرة التي تكشف عن وحدانية الله وعن صدق رسله.
قوله: {وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم إلا كانوا عنها معرضين} من، الأولى مزيدة للاستغراق - ومن الثانية، للتبعيض - والمعنى، أنه ما يظهر لهؤلاء المشركين المعاندين من الأدلة أو معجزة من المعجزات أو آية من آيات القرآن الحكيم بروعته وإعجازه وعجيب رصفه وتركيبه إلا كانوا عن كل ذلك {معرضين} أي تاركين النظر فيه بل غير ملتفتين إليه.
قوله: {فقد كذبوا بالحق لما جاءهم} المراد بالحق القرآن - والفاء في قوله: {فقد} تفيد الترتيب - والمراد ترتيب ما بعدها على ما قبلها من المعاني - والمقصود أن هؤلاء المعاندين الجاحدين لما أعرضوا عن القرآن وكذبوا به وهو أعظم ما أنزل الله على العالمين من آيات ومعجزات، فكيف لا يعرضون عن غيره من الدلائل الأخرى.
قوله: {فسوف يأتيهم أنبؤا ما كانوا به يستهزءون} المراد بالأنباء العذاب الذي أعده الله لهؤلاء الضالين - وهذا تهديد من الله لهم ووعيد شديد في مقابلة تكذيبهم وإعراضهم عن الحق فلسوف يذوقون وبال هذا الإعراض وهذا النكول - وسيظهر لهم وبال استهزائهم بهذا الدين وهذا القرآن العظيم عندما يحيق بهم الخزي في الدنيا عقيب ظهور الإسلام وعلو شأنه، أو في الآخرة حيث العذاب الحارق الواصب.
6 - (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ)
قوله: {ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن} كم، اسم للعدد في موضع نصب على المفعولية بأهلكنا وليس {يروا} لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما بعده 6 والقرن، يراد به هنا الجيل من الناس 7 - وهذا تخويف وموعظة من الله للناس عسى أن يكفوا عن الإدبار والجحود، فتصيخ قلوبهم للحق أو يلينوا لسماع القرآن الحكيم - فقد وعظهم الله وذكرهم بما حل بالأمم السالفة كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب وفرعون وغيرهم من الأمم السابقة الذين أعرضوا عن ملة التوحيد واستكبروا في الأرض بغير الحق فأصابهم من الوبال والخسران ما أصابهم فكانوا عبرة خالدة ماثلة لمن يعتبر.
قوله: {مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم} أي جعلنا لهم فيها مكانا وقررناهم فيها وأعطيناهم من القوى والقدرات ما لم نجعل مثله لكم - أو أعطيناهم وجعلنا لهم من السعة وطول المقام ما لم نجعل لكم يا أهل مكة.