فهرس الكتاب

الصفحة 1268 من 2536

قوله: (وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره) (الفلك) يعني السفينة - وهو واحد وجمع يذكر ويؤنث 40 - على أن السفن من الجواري التي تسير فوق سطح الماء بإرادة الله وتقديره وأمره - وذلك بأن بث الله في كل من الماء والمواد الصلبة من الصفات والميزات الذاتية ما تتم به عملية الطفو على وجه الماء دون غرق - وأيما كائن تتحقق فيه خاصية الطفو على سطح الماء سواء كان الماء بحرا أو نهرا أو غيرهما من الماء العميق المركوم لسوف يحصل الطفو - وفي النظرية العلمية الحديثة أن يكون معدل كثافة الجسم دون معدل كثافة الماء، سبب لحصول الطفو كيلا يغرق الجسم.

والمهم في ذلك أن مثل هذه الخاصية في الأجسام والمياه التي يحصل بسببها الطفو لهو من الله - فالله هو الذي بث في الأشياء والأجسام والمخلوقات ميزاتها وصفاتها - وهو الذي جعل فيها قوانينها ونواميسها التي تتم بموجبها الظواهر المشهودة في الطبيعة - وكل ذلك من فضل الله على الإنسان؛ إذ يسر له سبل الحياة والعيش في البر أو البحر ليعيش سالما مرتاحا فلا يعتريه عسر ولا حرج.

قوله: (وسخر لكم الأنهار) (سخر) من التسخير وهو التذليل 41؛ أي ذلل الله للناس الأنهار لتجري على ظهرها المراكب فتقل الناس من مكان إلى مكان - وليأخذوا منها ما حوته من خيرات مطعومة كالأسماك بأجناسها الكثيرة العجيبة - إلى غير ذلك من وجوه الاستفادة من مياه الأنهار العذبة في الشرب وسقي الزروع والنباتات والمواشي.

قوله: (وسخر لكم الشمس والقمر دائبين) (دائبين) ، منصوب على الحال من الشمس والقمر - وذلك تغليبا للقمر على الشمس؛ لأن القمر مذكر، والشمس مؤنثة، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غلِّب جانب المذكر على جانب المؤنث 42 - وقوله: (دائبين) يعني دائمين في الحركة والجريان لا يفتران، من الدؤوب، بضم الدال، والدأب معناه العادة والشأن 43؛ أي ذلل الله هذين الجرمين الهائلين لمنافع الناس وتحقيق معاشهم وجعلها دائمين في الحركة لا يفتران حتى نزول هذه الدنيا.

قوله: (وسخر لكم الليل والنهار) أي جعلهما يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم - في الليل يهجع الناس ويرقدون؛ فتستريح أبدانهم وأعصابهم وأذهانهم بعد عناء النهار وما فيه من مكابدة ونصب.

وفي النهار يفيقون من هجعتهم؛ ليبادروا الكد والكدح والبذل والسعي وهم يبتغون من فضل الله، وليؤدوا ما عليهم من واجبات كعبادة الله وطاعته وأداء حقوق الناس التي في ذممهم كالإنفاق والزكاة وبر الوالدين وصلة الأرحام وإيتاء ذي القربى، والاضطلاع بوجائب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعوة البشرية إلى دين الله وترغبيهم في منهج الله الحق وهو الإسلام.

قوله: (وآتاكم من كل ما سألتموه) (من) ، للتبعيض - فيكون المعنى: أن الله أعطاكم بعض جميع ما سألتموه حسبما تقتضيه مشيئة الله وحكمته البالغة - وعلى هذا فإن الإنسان قد يسأل الله العافية فيعافيه، ويسأله النجاة فينجيه، ويسأله الغنى فيغنيه، ويسأله الولد فيعطيه، ويسأله أن ييسر أمره ويشرح صدره ويدرأ الأذى والشر والضرّ عنه فيجيبه لما سأله إياه - لا جرم أن نعم الله لا يحصرها العد - والله سبحانه العاطي المنان المتفضل على عباده، يجزل من العطاء للناس ليسبغ عليهم من نعمه الكاثرة ما يستوجب من العباد دوام الثناء والشكران لله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت