فهرس الكتاب
قوله: {أم كنتم شهداء إذ وصكم الله بهذا} أم للاستفهام الإنكاري - وهي بمعنى بل والهمزة - أي بل أكنتم شهداء - يعني حاضرين مشاهدين إذ وصاكم الله بهذا التحريم - والمراد تبكيتهم وتقريعهم وإظهار سفاهتهم وخفة أحلامهم وطيش تفكيرهم السقيم.
قوله: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغيرعلم} أي ليس من أحد أظلم ممن كذب على الله فنسب إليه تحريم ما لم يحرمه افتراء عليه ولم يقتصر ظلمه على افتراء الكذب على الله، بل تجاوز ظلمه هذا حتى أضل غيره من الناس فسن لهم هذه السنة الضالة وأغواهم بفعل ما لم ينزل به الله سلطانا.
قوله: {إن الله لا يهدي القوم الظلمين} إن الله لا يكتب هدايته لمن فسد طبعه ومال عن الحق واتبع هواه وأضل الناس بغير علم أو برهان أولئك هم الظالمون الذين فتنوا الناس عن دينهم وأفضوا بهم إلى الفسق والكفران 188.
145 - (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
قوله تعالى: {قل لا أجد ما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم} .
لما ذكر الله أن المشركين حرموا ما حرموا افتراء على الله، أمر نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بإخبارهم أن مصدر العلم بالتحريم الحقيقي هو الوحي وهو من الله وحده، إذ يبين للناس سائر الأحكام وكل وجوه الحلال والحرام، ولا ينبغي الركون في ذلك إلى أهواء الناس وما يختلقونه باطلا وتخريصا أو يفترونه على الله افتراء - فأخبرهم النبي بما بين له ربه، أنه لا يجد فيما أوحى الله إليه شيئا محرما غير هذه المذكورة في الآية.
وبذلك فإن المحرمات محصورة هنا في هذه الآية، بيد أنه نزل في المدينة سورة المائدة، وزيد فيها على هذه المحرمات مذكورات أخرى وهي - المنخنقة والوقوذة والمتردية والنطيحة - وهو ما بيناه في سورة المائدة - وكذلك بينت السنة محرمات أخرى من البهائم كتحريم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير - وكذلك تحريم الحمر الأهلية والكلام وغير ذلك من المحرمات والخبائث.
واختلفوا في هذه الآية هل هي منسوخة أم محكمة؟ فقد قيل: إنها محكمة وبهذا ليس من شيء محرم من الحيوان إلا ما ورد ذكره فيها دون غيره - أي أنه لا حرام إلا ما ذكره الله تعالى في هذه الآية - وقد روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وعائشة - وهو قول ضعيف مخالف لما ذهب إليه أكثر العلماء من السلف الخلف، وهو أن حصر التحريم فيما ذكرته الآية هنا منسوخ، فما ذكرته الآية هنا من محرمات محكم ثم أضيف إليه كل ما ذكر تحريمه بعد ذلك في الكتاب أو السنة - وهو الصواب - وبذلك فإن الآية هذه محكمة وقد أخبر فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لم يجد فيما أوحي إليه إذ ذاك من القرآن سوى ما ذكر - فجميع ما حرم بالمدينة لم يكن قد سبق فيه وحي بمكة - فلا تعارض بين ما حرم بالمدينة وبين ما أخبر أنه أوحي إليه تحريمه بمكة.
قوله: {على طاعم يطعمه} أي على آكل يأكله - وجملة {يطعمه} في محل جر صفة لطاعم.