بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية، وفيها من ألوان التحذير والتنذير والتخويف ما فيها - وكذلك من صور التنبيه والتنديد والزجر ما يهيج الحس والوجدان ويستديم الحذر والوجل مما هو قادم ومنتظر.
والسورة مبدوءة بالقسم العظيم من الله ذي الجبروت، بالصافات وهي الملائكة المصطفة للصلاة، الزاجرات عن المعاصي، على أن الله واحد لا شريك له، وهو سبحانه رب كل شيء وخالقه وموجده.
وفي السورة تنديد بالمشركين المكذبين الذين يستسخرون من آيات الله ويتخذونها هزوا، أولئك قد أعدَّ الله لهم سوء العذاب يوم القيامة؛ حيث النار اللاهبة المستعرة، وحيث الزّقوم، ذلكم الطعام الخبيث المسموم، طعام الآثمين الخاسرين.
وفي السورة ذكر مقتضب لبعض المرسلين، ومن أظهرهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ إذ رأى في المنام أنه يذبح ولده إسماعيل عليه السلام فاستجاب الولد الزكي البارُّ الطهور لأمر ربه ولم يتردد، فلما تلَّه للجبين وأراد أن يذبحه فداه الله بذبْحٍ عظيم.
وفيها قصة يونس عليه السلام الذي تولى عن قومه مُغاضبا فيمم شطر البحر فركب السفينة مع طائفة من الناس فقارعهم فكان من المغلوبين في القرعة فالتقمه الحوت عقيب إلقائه في البحر.
إلى غير ذلك من الأخبار والمواعظ والقصص.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} .
أقسم الله بالصافات وهي الملائكة تصف أقدامها في الصلاة، وقيل: تصف أجنحتها في الهواء تنتظر الأمر من الله و {صفًّا} مصدر مؤكد.
{فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا} من الزجر، وهو الدفع بقوة؛ أي الملائكة تزجر
الناس عن المعاصي بإلهامهم الخير
أو تزجر الشياطين عن التعرض لهم و {زَجْرًا} مصدر مؤكد.
{فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا} أي الملائكة تتلو آيات
الله وغير ذلك من تسبيح وتحميد
و {ذِكْرًا} مفعول به.
قوله: {إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} جواب للقسم؛ فقد أقسم الله - وهو الصادق الخالق ذو الملكوت - بملائكته الصافات في الصلاة، أو الصافات أجنحتها في الهواء، الزاجرات عن المعصية والشر، التاليات كلام الله - والمسبحات بحمده، الذاكرات لجلال وجهه الكريم - على الحقيقة اليقينية الكبرى وهي أن الله واحد لا شريك له فليس من إله سواه - وهو سبحانه {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} .
{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} {ربُّ} ، خبر بعد خبر أي خبر ثان - أو بدل من قوله: {لواحد} أو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي هو رب - والمعنى: أن الله وحده لا شريك له وهو مالك السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من خلائق وكائنات وأجرام.