فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 2536

وقوله {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} الكافرون من المشركين واليهود لا ينظرون للمسلمين دائما إلا بعين الكراهية والحسد، وهم جميعا لا يتمنون للمسلمين إلا التعثر والبلاء - وبذلك فهم لا يودون أن ينزل عليهم من خير - والمقصود به القرآن العظيم؛ لما ينطوي عليه من أسباب القوة والعزة للمسلمين، ولأن القرآن موئل الكرامة والشرف والنجاة في هذه الدنيا ويوم تقوم الساعة، بل إن القرآن الكريم لهو جِماع الخير كله بكل ما تتناوله هذه الكلمة من معاني التعاون والتآزر والاستعلاء - وكذلك الوحدة الكاملة الشاملة الذي يتلاقى في خضمها المسلمون جميعا من غير تمييز، ثم الجهاد الذي يفرضه القرآن على المسلمين؛ كيلا ينزل بساحتهم شر أو ذلة - وهذه المعاني وغيرها من أطراف الخير والخلق والقوة قد رسخها القرآن في واقع المسلمين، وأوجبها عليهم إيجابا؛ ولأجل ذلك ما يود الكافرون من مشركين وأهل كتاب أن يكون هذا الكتاب الحكيم المعجز بين ظهراني المسلمين، بل يرغبون دائما أن يزول من الوجود كل معْلم من معالم هذا الكتاب وإذ ذاك يستريحون ويطمئنون.

قوله: {والله يختص برحمته من يشاء} الله جلت قدرته يختار لرسالته ودينه من يصطفي من العباد - فقد اختار من بين الأمم لحمل هذا الدين العظيم هذه الأمة التي جعلها خير أمة أخرجت للناس، واصطفى من بين العباد هذا النبي الأمي محمدا (صلى الله عليه وسلم) ليكون أول مبلغ للرسالة فقام في الناس على خير ما يكون عليه التبليغ والأداء من غير تقصير، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.

والله سبحانه هو المتفضل المنّان الذي ملأت آلاؤه أرجاء الوجود جميعا بما في الوجود من ملائكة وجن وإنس وكائنات {والله ذو الفضل العظيم} .

قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} ما أداة شرط تجزم فعلين - {ننسخ} فعل الشرط مجزوم - والنسخ يأتي في اللغة بمعنى الإزالة والإبطال أو إقامة الشيء بدل غيره، أو النقل من مكان إلى آخر 90 أما النسخ في الاصطلاح فهو: رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر - أو هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم 91.

ويبدو هذه التعريفات أنها متقاربة وذلك من حيث إن النسخ يعني الإزالة أو التبديل، فهذه المعاني شديدة التقارب بما ذكره الأصوليون من تعريف للنسخ - أما النسخ من حيث ضروبه وأقسامه على التفصيل، ومن حيث المواضع التي يقع فيها النسخ، ومن حيث النسخ بين القرآن والقرآن، ثم بين القرآن والسنة، وغير ذلك من مسائل تتعلق بالنسخ، فإن موضع ذلك كله في كتب الأصول حث البيان المفصل والشامل لهذه القضية الهامة.

وعلى العموم فإن الآية تعني أنه: ما نرفع حكم آية، سواء كان الرفع واقعا على التلاوة والمعنى كليهما، أو على التلاوة دون المعنى، أو المعنى دون التلاوة، {أو ننسها} فإن الله جلت قدرته لسوف يأتي بخير منها أو مثلها - وقوله: {ننسها} معطوف على {ننسخ} - وفي قراءتها وجهان وهما: ننسأها بالهمز، وننسها بغير همز - وقراءتها بالهمز تعني: نؤخرها فلا ننسخها، وهو من الإنسان أو التأخير، وفعله أنسأ بمعنى أخر - نقول أنسأ الله أجلك أي أخره ليطيل في عمرك 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت