وأما الحسد المحمود: فهو أن يتمنى المرء ما لدى غيره من الخير والنعمة مع رغبته في دوامها عنده - فهو يجب أن تكون له النعمة كالتي عند غيره، وما في ذلك من بأس، وذلك إحساس فطري معقول لا يصطدم بطبيعة هذا الدين الذي يلائم الفطرة البشرية أعظم تلاؤم، لكنه لا تخالطه أدران الأنانية والأثرة ليتمنى زوال هذه النعم من عند غيره - ويمكن أن يطلق على هذا التمني المشروع"الغبطة"وهي تمني ما عند الآخرين مع الرغبة في بقائها عندهم 94 - وللاستدلال على وجود هذا الضرب من الحسد المشروع يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) :"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار"95.
قوله: {من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} أي أنهم كانوا يحسدون المسلمين ويتمنون لهم الضلال والارتداد عن دينهم ولم يكن تمنيهم هذا صادرا عن كتاب لهم ولا أمروا به، بل كان من تلقاء أنفسهم وطبائعهم الحاقدة الحاسدة، هذه الطبائع الملتوية الشاذة التي لا تحب الخير للإسلام أو المسلمين - فهم في حسدهم هذا لا يستندون إلى مبرر أو دليل إلا الكراهية البحتة والحسد الحاقد الممحض - مع أن هؤلاء أعراف الناس بحقيقة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ؛ وذلك لمعرفتهم المسبقة بأنه المبعوث من عند الله ليكون للناس رسولا وهاديا ونذيرا - وهي حقيقة ما كانت تغيب عن أذهانهم لولا الطبع الفاسد وما كان يركم في نفوسهم من حسد - فقد كانوا يتلون في كتبهم السماوية أن هذا النبي مرسل من عند الله، فلا هو بالمنتحل ولا هو بالمفتري.
قوله: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} يأمر الله عباده المؤمنين أن يظلوا صابرين على الحق مستمسكين بدين الله، فلا تزعزعهم مكائد الكافرين وأذاهم - ويأمر الله كذلك أن يتجاوزوا عن مساءلة الظالمين الكافرين بالعفو والصفح، فلا يؤاخذوهم ولا يحاسبوهم على ما اقترفوه من إضرار وتأذية إلى أن يكتب الله لهم النصر - وقد ذهبت جمهرة كبيرة من أهل العلم إلى أن هذه الآية منسوخة، نسختها آيات القتال - وذلك كقوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} .
وقوله تعالى أيضا: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ويؤيد قولهم بالنسخ هنا قوله تعالى بعد ذلك: {حتى يأتي الله} .
وقيل: إن الآية محكمة ولم يقع عليها نسخ - والمراد أن النبي (صلى الله عليه وسلم) والمسلمين مدعوون جميعا للصبر على البلاء مما يلحق بهم من ضروب الضرر والتعدي - وذلك هو شأن المسلم؛ إذ يجلله الخلق الكريم فيبادر بالعفو والصفح عن مساءات الظالمين الذين ما فتئوا يثيرون في وجوه المسلمين الشر والعدوان والأذى.
قوله: {إن الله على كل شيء قدير} وهذه الحقيقة متسقة تماما مع الوعد السابق في قوله تعالى: {حتى يأتي الله بأمره} فهو جلت قدرته قد كتب النصر لعباده الصابرين العاملين، وكتب أن الغلبة له سبحانه ورسله {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} وذلك كله على الله هين ويسير؛ لأنه سبحانه على كل شيء قدير.