إن التصور الصادع المطلق على أن المسيح عبد من عباد الله لهو حقيقة كونية كبرى - حقيقة تنطق بها الأذهان والمشاعر السليمة، وتفيض بها طبائع الخلائق كافة، بل يهتف بها الكون برمته من أقصاه إلى أقصاه، وليس على البشرية بعد هذه الحقيقة الراسية البلجة إلا أن تستضيء بتعاليم النبوة فتمضي على الطريق المبين - طريق الله المستقيم (فاعبدوه هذا صراط مستقيم) .
قوله تعالى: (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) .
الإحساس هو وجدان الشيء بإحدى الحواس، والمراد أن عيسى عليه السلام قد استشعر إصرار هؤلاء القوم على الكفر، وأنهم عازمون على قتله فخشي منهم على نفسه واختفى عنهم، عندئذ قال لمن حوله: (من أنصاري إلى الله) يعني من أعواني على المكذبين الجاحدين، (إلى الله) أي مع الله.
قوله: (قال الحواريون نحن أنصار الله) أي أنصار نبيه ودينه، والحواريون هم أصحاب عيسى عليه السلام وكانوا اثني عشر رجلا.
والحواريون جمع ومفرده الحواري - واختلفوا في تسميتهم بهذا الاسم، فقيل: الحواري أصله من الحور بفتح الحاء والواو وهو شدة البياض، والحور نقاء بياض العين، وتحوير الثياب تبييضها، وحورت الثياب أي بيضتها، فسموا بذلك لبياض ثيابهم، وقيل: لأنهم كانوا قصارين وهم الذين يبيضون الثياب - وقيل: سموا بذلك؛ لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة، فسموا بذلك إطراء لهم بما يشير إلى نقاء قلوبهم التي هي كالثياب البيض.
وقيل: الحواري الناصر - فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما ندب الناس يوم الأحزاب فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير رضي الله عنه فقال النبي صلى الله عليه و سلم:"لكل نبي حواري، وحواري الزبير"101.
بعد أن استنصر المسيح بمن يمضي في طريق الله فيناصره ويشد أزره ضد العتاة الظالمين استجاب له الحواريون المؤمنون- وهو ما بيناه آنفا- إذ قالوا: (نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون) ذلك إعلان واضح من هذه الفئة المؤمنة الصالحة - أي فئة الحواريين- على مناصرة دين الله ومؤازرة نبيه عيسى المسيح الذي جاءهم بعقيدة التوحيد - وذلك ما يقتضيه إعلانهم الشجاع المجلجل عن الإيمان بالله وعن الإقرار الكامل لله بالوحدانية واستشعار العبودية له دون سواه، وذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام، وهو دين كل الأنبياء بما يعنيه الإسلام من خضوع واستسلام لشريعة.
ومما أعلنه الحواريون في جسارة لا تعرف الزعزعة أو الوجل هو تصديقهم بما أنزل الله إليهم على سيدنا عيسى عليه السلام، واتباعهم لدينه الذي اتبعته به ومعاونته في ذالك من أجل المضي على الحق.
قوله: (فاكتبنا مع الشاهدين) أي اكتب أسماءنا مع الذين شهدوا لك بالتوحيد والذين صدقوا أنبياءك فعزروهم وناصروهم، واجعلنا في عداد من تكرمهم به من كرامتك.