قوله: (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة) أي أعطاهم ثواب الدنيا يعني النصر والظفر والغلبة على العدو - وآتاهم أيضا حسن ثواب الآخرة - أي ثواب الآخرة الحسن - وهو الجنة.
قوله: (والله يحب المحسنين) المراد بالمحسنين ههنا أولئك الربيون الذين بينا صفاتهم من المجاهدة والثبات والصبر واشتداد البأس والعزيمة واللجوء إلى الله بالدعاء - وفي ذلك دلالة على أن أولئك محسنون يستحقون أن يكون الله معهم 241.
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين) .
لما أرجف المشركون أن محمد صلى الله عليه و سلم قد قتل، ودعا المنافقون بعض ضعفة المسلمين إلى العودة للأصنام والوثنية حذر الله المسلمين من الالتفات إلى كلام هؤلاء المنافقين - وقال لهم: (إن تطيعوا الذين كفروا) المراد أبو سفيان فقد كان كبير المشركين إذ ذاك - وقيل: المراد عبد الله بن أبي وهو كبير المنافقين حينئذ، وأتباعه من أهل النفاق - فقد أثار هؤلاء الشبهات والفتن وأذاعوا الأراجيف واختلفوا الأخبار الكاذبة التي توهم الهمم وتضعف العزائم - وقيل: بل المراد اليهود فقد كانوا يلقون الشبهة في قلوب المسلمين؛ ليرتابوا في عقيدتهم وينقلبوا عن دينهم - من أجل ذلك يحذر الله المسلمين من إطاعة هؤلاء أو الاستماع إلى أراجيفهم وإلا ردوهم على أعقابهم، أي ردوهم إلى الكفر فينقلبون بذلك خاسرين في الدنيا والآخرة - وخسران الدنيا يراد به هنا خضوعهم للكافرين، أما خسران الآخرة فهو الحرمان من الثواب والتردي في العذاب.
قوله: (بل الله مولاكم وهو خير الناصرين) بل حرف إضراب عن مفهوم الجملة الأولى وهي طاعة الكافرين التي تجرجر الخسران والارتداد على الأعقاب، بل الله ناصرهم
-وقرئ لفظ الجلالة بالنصب على تقدير بل أطيعوا الله، فهو مولاكم أي ناصركم، وهو خير نصير لكم ولا تحتاجون معه إلى نصرة أحد غيره وولايته.
قوله: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا) جاء في سبب نزول هذه الآية أنه لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق ثم إنهم ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشرذمة تركناهم ارجعوا فاستأصلوهم - فلما عزموا على ذلك ألقى الله تعالى في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به وأنزل الله تعالى هذه الآية 242.
وفي هذه الآية يبشر الله المسلمين بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم ليبوءوا بالذلة والهزيمة؛ وذلك بسبب كفرهم وشركهم، فضلا عما ادخره الله لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال.