قوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا} أم حسب المشركون والظالمون الذين يتلبسون بالكفر والمعاصي أن يفوتونا ويعجزونا فلا نقدر على مجازاتهم ومؤاخذتهم بذنوبهم وما فعلوه - والمراد بهم الظالمون الذين يحادّون الله ورسوله، المدبرون عن دين الله إدبارا جامحا - ويأتي في طليعة هؤلاء الجبابرة، الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، وأبو لهب، وعقبة بن أبي معيط وغيرهم من عتاة البشرية وشياطين الإنس في كل زمان.
قوله: {سَاء مَا يَحْكُمُون} أي بئس الحكم حكمهم، أو ساء حكمهم الذي يحكمون بأن هؤلاء العصاة الفاسقين يسبقوننا بأنفسهم 3.
قوله تعالى: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
المراد بالرجاء في الآية: الخوف؛ أي من كان يخاف لقاء الله وهو الموت.
وقيل: الرجاء معناه الطمع - أي من كان يطمع في حسن الثواب والجزاء بلقاء الله {فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ} أي أجله لبعث الخلائق آت قريبا - فكل ما هو آت آت - وكل آت قريب لا محالة - وحينئذ يجازي الله المؤمنين الذين يعملون الصالحات خير الجزاء.
قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} الله سميع لما يقوله العباد من دعاء ورجاء وذكر وتسبيح وتحميد - وهو سبحانه عليم بما يخفونه في صدروهم وما تصنعه جوارحهم من الأفعال.
قوله: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} أي من جاهد في الله بمختلف وجوه الجهاد؛ كأن يصبر على الطاعات يتجنب المعاصي والموبقات ويفعل الخيرات، ويجاهد الكفار والمنافقين، فعاقبة ذلك كله من الأجر وحسن الثواب إنما يعود عليه نفسه، ولا يعود على الله من ذلك شيء - فليس لله بذلك من حاجة؛ لأن الله جل وعلا غني عن جميع الخلائق؛ فهو مالك كل شيء وبيده الأمر كله - وهو قوله: {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} .
قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أي الذين آمنوا بالله وحده وأفردوه بالوحدانية والألوهية دون سواه - وآمنوا برسوله نبيا صادقا وهاديا ومبلغا للناس دعوة ربه، وأدوا الفرائض والطاعات، وعملوا الحسنات والصالحات؛ فلسوف يثيبهم الله على ما فعلوه من الصالحات أحسن الثواب وخير الجزاء؛ وهو أن يكفر عنهم أسوأ ما عملوه ويجزيهم من الأجر بأحسن ما كانوا يعملون 4.