وحول هذا المعنى في مثل هذه المواقف رُوي أن رجلا قال للنبي (ص) : أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرا محتسبا؟ قال:"فلك الجنة"فانغمس في العدو حتى قتل.
ومما نسمعه في عصرنا هذا أن يزجي أحد الناس بنفسه في وسط العدو فيموت وإياهم - وذلك كالذي يتمنطق بحزام من الذخيرة المتفجرة فيدفع بنفسه في قلب العدو ليفجر فيهم ما يحوطه من عتاد متفجر موقوت - ومثل هذا الرجل الشجاع كأنما هو في شخصه وجسده قنبلة قابلة للانفجار ساعة إلقائها صوب العدو - فما حكم ذلك - وهل من بأس على المرء الشجاع المندفع في مثل هذه الحال؟
نقول والله المستعان أن هذا المندفع الهاجم الشجاع وهو يبتغي الشهادة في سبيل الله، فضلا عن مراده تدمير العدو وإشاعة الرعب في صفوفه، له من بالغ الأجر والتكريم ما لم يعلم مداه وقدره إلا الله - وهو سبحانه وتعالى أعلم.
وقوله: (وأحسنوا إن اله يحب المحسنين) يأمر الله أن يعمل المؤمنون الطاعات على أفضل الدرجات وخير المقامات، سواء في ذلك الإنفاق أو الجهاد وغير ذلك من جوه الإحسان وهو أرقى الدرجات في مراتب الأعمال والطاعات 248.
196 - (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا آمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب) .
إتمام الحج والعمرة أي أداؤهما وإقامتهما على خير وجه من تمام النسك والإخلاص لله.
والعمرة من الاعتمار بمعنى الزيارة - وهي مفرد وتجمع على عمر وعمرات 249.
ومن حيث المعنى الشرعي فهي الحج الأصغر، وهي ركنها الطواف والسعي وشرطها بينهما وبين الحج في إحرام واحد، فقد ثبت أن النبي (ص) جمع في إحرامه بحج وعمرة 250 - وثبت عنه كذلك في الصحيح أنه قال لأصحابه:"من كان معه هدي فليُهل بحج وعمرة"وعنه (ص) أنه قال في الصحيح:"دخلت العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة".
أما العمرة من حيث حكمها الشرعي فهي موضع خلاف - فقد ذهب فريق من أهل العلم وفيهم ابن عباس وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن البصري وابن سيرين وسعيد بن جبير والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنها واجبة - واحتجوا لذلك بحديث مرفوع عن محمد بن سيرين عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله (ص) :"إن الحج والعمرة فريضتان لا يغُرّك بأيهما بدأت"واحتجوا كذلك بظاهر قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله) فقد أوجب إتمامها مثلما أوجب إتمام الحج، وذلك تكليف بالشيء فهو واجب لا سنة.