فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 2536

قوله: (فأخرجهما مما كانا فيه (قد أنزل الشيطان آدم وزوجه بإبعادهما وتنحيتهما عن الجنة حيث النعيم، المقيم وحيث الخير والأمن والعيش الرغيد، وقد كان ذلك حسدا من ذلك الكائن المتمرد اللعين الذي جهد في إغواء آدم ليخرجه وزوجه مما كانا فيه من نعيم الجنة.

قوله: (وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو (كان ذلك قرارا ربانيا حاسما لا معقب له، وهو أن يهبطوا من الجنة ليكون بعضهم لبعض عدو، والهبوط معناه النزول من عل إلى أسفل واختلف في حقيقة المخاطبين الذين تشير إليهم واو الجماعة في قوله: (اهبطوا (ولعل الراجح في ذلك أنهم آدم وزوجه حواء ثم إبليس، وقيل المقصود هم آدم وزوجه وذريتهما من بعدهما، لكن القول الأول أقرب للصواب وذلك بالنظر للإيحاء الذي يشير إليه قوله: (عدو (ذلك أن بني آدم في صراع محتوم ومستديم مع الشياطين، سواء منهم شياطين الجن أو شياطين الإنس، فكلهم شياطين يوحون لبني البشر بالفتنة وصنع الموبقات ليظلوا في عناء وعنت في هذه الدنيا وليكتب للهالكين منهم وتعس وسوء مصير.

وحقيقة النزول هنا يمكن تصورها على أنها مفهوم نسبي، وذلك بالنظر لتصور الإنسان الحسي عن الهبوط أو الانحدار مما هو عال مرتفع مزعوم ليقول ألا هبوط أو نزول ما دامت الأجرام تدور في أفلاكها وسط هذا الفضاء الرحيب.

قوله: (بعضكم لبعض عدو (عدو من العدوان وهو الظلم، أو مجاوزة الحد كما قيل والعدوان هنا مجاوزة الحد حاصلان في هذه الدنيا بما تحويه على متنها من خلائق من البشر أو الشياطين، والبشر في هذه الحياة تدور فيما بينهم قوارع الصراع المحتدم وعواتي الظلم اللجوج ما دامت النفوس يحفزها الهوى الجانح أو الأنانية الضاغطة، وكذلك فإن الصراع عات ومحموم بين البشر أنفسهم و الشياطين، و كلا الفريقين يمران في الأرض لا يبرحهما الكيد و العداء و التربص.

و على ذلك فإن بني آدم و الشياطين بعضهم لبعض عدو فضلا عن العداء الذي يدور بين بني آدم أنفسهم، و سوف تظل الحال على هذا المنوال من العدوان المستحكم في هذه الأرض ومن عليها حتى يرث الله الأرض و من عليها - مع أنه قد قيل في المقصود من هذه الآية بأن العدوان المستحكم بين الناس أنفسهم و فيما بينهم.

و في تقديرنا أن هذا القول أن هذا القول مرجوح و أن القول الأول لهو الصواب و الله أعلم.

قوله: (و لكم في الأرض مستقر و متاع إلى حين) الجار و المجرور في قوله: (لكم) في محل رفع خبر مقدم، و مستقر مبتدأ - الله جل جلاله يقرر بعد هبوط آدم إلى الأرض أن له و ذريته مستقرا و هو القرار المؤقت - و أن لهم كذلك فيها متاع، و هو كل ما يستمتع به من زاد أو كساء أو حديث أو صحبة أو مأوى - على أن ذلك كله يتسم بالتوقيت المحدود الذي ينتهي بعد حين و هو قدوم الموت - و على ذلك فإن الاستقرار و المتاع على هذه الأرض يكونان حال الحياة و قبل انتهاء الأجل، فالمقصود بقوله: (حين) الموت - و قيل: معناه قيام الساعة - و لا نتصور هذا، بل إن القول الأول هو الراجح.

قوله تعالى: (فتلقى ءادم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) ثمة أقوال في تفسير التلقي هنا، و لعل الأصوب أن يكون معناه الاستقبال - فقد استقبل آدم من ربه كلمات علمه إياهن للحصول على التوبة، لكن ما هذه الكلمات و ما حقيقتها؟ و للإجابة عن ذلك يمكن الاطمئنان إلى أن المقصود بهذه الكلمات هو الدعاء المتضرع الخاشع من خلال كلمات يقولها آدم ليعلن أمام الله توبته و ندامته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت