فهرس الكتاب
82 - (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)
قوله: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما) هذا تأويل المسألة الثالثة، وهي إقامة الجدار الآيل للسقوط؛ فقد كان الجدار لغلامين صغيرين في المدينة، ودليل صغرهما وصفهما باليتم؛ إذ لا يتم مع البلوغ - وكان تحت الجدار مال مدفون لهما وكان أبو الغلامين صالحا - ويستدل من ذلك على أن الرجل الصالح يحفظ الله بصلاحه ذريته ثم تشملهم بركته في الدنيا، وكذا في الآخرة بشفاعته فيهم ورفعهم ببركته إلى الدرجات العلا في الجنة.
قوله: (فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجها كنزهما) أسند الإرادة في بلوغ الحلم واستخراج الكنز إلى الله؛ لأن بلوغ الحلم لا يكون إلا بقدرة الله، ولأن الله قد حفظ لهما كنزهما تحت الجدار؛ إذ لم ينقضّ ولو انقضّ لخرج الكنز من تحته (رحمة من ربك) أي فعلت ما فعلته من بناء الجدار رحمة من الله باليتيمين (وما فعلته عن أمري) أي ما فعلت الذي فعلته من تلقاء نفسي واجتهادي وإنما فعلته بأمر الله.
قوله: (ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا) حذف التاء في تسطع للتخفيف - والمعنى: هذا تفسير ما أنكرته وضقت به ذرعا فلم تصبر حتى أخبرك بتأويله 93.
قوله تعالى: {ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا (83) إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84) فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (87) وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (88) ثم أتبع سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (90) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) } (ذي القرنين) ، كان أول أمره غلاما من الروم - وقيل: من اليونان، واسمه الإسكندر الأول - وأما الإسكندر الأول بنى مدينة الإسكندرية فنسبت إليه - سمي بذي القرنين؛ لأنه بلغ المغرب والمشرق، فكأنه حاز قرني الدنيا - وقد سئل علي (رضي الله عنه) عن ذي القرنين فقال: كان عبدا صالحا دعا قومه إلى الله تعالى فشجوه على قرنه، ثم دعاهم فشجوه على قرنه الآخر؛ فسمي ذا القرنين.
أما من حيث زمانه فقيل: كان في زمن إبراهيم وإسماعيل - وروي أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام - وكان وزيره الخضر - وقد ذكر أن ملوك الدنيا أربعة: مؤمنان وكافران - فالمؤمنان سليمان بن داود وإسكندر - والكافران، نمرود وبختنصر، وسيملك الدنيا من هذه الأمة خامس وهو المهدي، لقوله تعالى: (ليظهره على الدين كله) .
وقد سأل المشركون واليهود رسول الله (ص) عن رجل طواف في الأرض من جملة أشياء بيناها سابقا؛ فنزل البيان في ذلك.
(إنا مكنا له في الأرض) أي خولناه الملك العظيم وسعة السلطان حتى دانت له البلاد وخضعت له ملوك الدنيا فملك المشارق والمغارب.