قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} اختلفوا في المراد بدعوة الحق؛ فقد قيل: الحق هو الله، وكل دعاء إليه فهو دعوة الحق - والله جل وعلا يسمع الدعاء من عباده المخلصين فيستجيب دعاءهم - وقيل: دعوة الحق يعني: شهادة أن لا إله إلا الله - وقيل غير ذلك - والمراد: أن الدعاء إنما يكون لله من عباده في كل الأحوال والظروف والأزمان؛ إذ يدعونه ويسألونه خاشعين مخلصين موقنين أنه وحده مجيب الدعوات، ولا يدعون أحدا غيره من المخاليق كالأوثان أو الأوهام أو الملوك أو غير ذلك من الأنداد.
قوله: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} أي الذين يعبدون آلهة من دون الله كالأوثان والأصنام والأوهام والملوك، فيتوجهون إلى هذه الأنداد المفتراة بالدعاء {لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ} أي لا يستجيبون دعاءهم ولا يسمعون نداءهم - وإن كانوا من البشر، استخفوهم وسخروا منهم واتخذوهم لهم عبيدا أقزاما أذلة ليسهموا في تمكينهم وتسليطهم على رقاب العباد.
قوله: {إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} ذلك تيئيس من دعاء الكافرين الذين يتوجهون بالدعاء إلى آلهتهم المفتراة؛ فإن هؤلاء واهمون بدعائهم، مسرفون في السفاهة والجهالة - وقد ضرب الله لذلك مثلا بالغ الدلالة يكشف عن فداحة الوهم الذي يسدر فيه المشركون الذين يعبدون غير الله من الأنداد ويتوجهون إليهم بالرجاء والدعاء لهم وهم في ذلك كالظمآن الذي كفيه إلى الماء ليقبضه بهما - وأنى للكف المبسوط، ذي الأصابع المنشورة أن يتناول الماء أو يتماسك فيه شيء من الماء؟!
وأشد من ذلك بعدا وإياسا أن يصل الماء إلى الفم الظامئ الحرور فضلا عن عدم تماسكه في الكف - إن ذلكم مثال مؤثر ومستبين يثير في الخيال صورة منظورة يتملاها الحسن تماما، ويعي من خلالها الذهن تمام المقصود - وهو الإياس المطبق من استجابة الأنداء والشركاء دعاء المشركين الضالين الذين يعبدونهم من دون الله ويدعونهم في جهالة وغرور وعمه {وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ} يعني ما عبادة هؤلاء المشركين الظالمين أو دعاؤهم إلا في ضياع؛ فهو ليس إلا ضربا من التصرف العابث الذي لا يجدي ولا ينفع 26.
قوله تعالى: {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} {طوعا وكرها} ، منصوبان على الحال - وقيل: على المصدر - أما معنى الآية هذه: فما ينبغي الاعتماد على تأويل السجود على معناه الحقيقي وهو وضع الجبهة والكفين على الأرض، فغن هذا التأويل سيفضي إلى افتراض السجود على أهل الكتاب إكراها، وهم قبل ذلك غير مكرهين على التزام الإسلام، إذ لا إكراه في الدين.