فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 2536

ومنها: جواز نسخ السنة بالقرآن، وهو المعتمد عند الأصوليين مع أن هذه مسألة خلافية - وقد ذهب الجمهور من الأشاعرة والمعتزلة والفقهاء إلى أن السنة تنسخ بالكتاب - وقالوا: إن ذلك جائز عقلا وشرعا - أما جوازه عقلا فبيانه أن الكتابة والسنة كليهما وحي من الله، لكن السنة وحي غير متلو - ونسخ أحد الوحيين بالآخر غير ممتنع عقلا - أما جوازه شرعا فهو وقوعه، كمسألتنا هذه، وهي نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه نحو الكعبة - وهو ما يقتضيه قوله تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم) والآية فيها الدليل على جواز نسخ السنة بالقرآن - وكيفية ذلك أن صلاة النبي في المدينة نحو بيت المقدس كانت حكما مبنيا على السنة أصلا إذا لم ينزل في هذا الحكم قرأن - حتى نسخ هذا الحكم باستقبال الكعبة؛ بناء على ما نزل من القرآن كقوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) 132.

143 - (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ)

وقوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس) اسم الإشارة في قوله كذلك يتعلق بتحويل القبلة نحو الكعبة - أي حولنا قبلتكم إلى الكعبة لتكونوا (أمة وسطا) والوسط هو العدل والأجود والخيار، وهو موضع الثناء والتفضيل، وجاء في في الحديث الشريف:"خير الأمور أوسطها"133 ويقول الإمام علي رضي الله عنه:"عليكم بالنمط الأوسط؛ فإليه ينزل العالي وإليه يرتفع النازل".

لقد جعل الله هذه الأمة بين الأمم وسطا؛ لتكون خير البشرية كافة بما أوتيت من خصائص مميزة قمينة بتفضيلها تفضيلا ظاهرا - وهي خصائص تتجلى في كمال الكتاب المعجز الحكيم الذي جاء حاويا لخبر الأولين والآخرين، وفيه صلاح البشرية في هذه الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين - وتتجلى كذلك في كمال الشريعة والمنهاج اللذين يغطيان واقع الحياة كلها بما فيها من قضايا السياسة والتربية والاقتصاد والسلوك ومطالب النفس والروح جميعا.

وتتجلى أيضا في الموقف المتميز السليم المجانب لكلا الإفراط والتفريط، وهاتان ظاهرتان مرفوضتان مغايرتان لطبيعة الإسلام القائمة على الاعتدال ومراعاة الفطرة السليمة، ومعلوم أن الإسلام دين وسط، فلا هو بالإفراط كالذي عليه اليهود من حيث تحريفهم للتوراة بما يلائم شهواتهم ويميل معها ميلا عظيما، ولا هو بالتفريط الذي عليه النصارى وذلك من حيث عزوفهم في ملتهم عن الحياة وما فيها من طيبات إلى الدرجة المغالية المذمومة التي لا تطاق والتي تحتسب ضربا من العذاب يؤز النفس ويؤلم الجسد.

ومن جهة أخرى فقد كان اليهود مفرّطين؛ وذلك لاجترائهم المذهل على أنبيائهم بالقتل والضرب والتكذيب والتعذيب، أما النصارى فقد كانوا مفرطين (بسكون الفاء) ؛ وذلك لغلوهم المسرف في إجلال نبيهم عيسى عليه السلام حتى أحلوه مقام الإله، لكن أمة الإسلام ليست على شيء من ذلك - ولكنها الأمة المعتدلة الوسط التي تقوم على المحجة المستقيمة والتي تنفر من التفريط والإفراط - فهي أمة لا تعبد أحدا سوى الله، وترتكز في عقيدتها على أساس ثابت مكين واحد هو التوحيد القائم على أعظم مقولة في دين الإسلام وهي"لا إله إلا الله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت