فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 2536

وقوله: (حيث شئتما (حيث ظرف مبني على الضم، أي اسكنا أي مكان من هذه الجنة، واستمتعا بطيباتها وخيراتها وتقلبا هاتين خلالها لا ينالكم فيها تعب، ولا يطرأ عليكم هم ولا حزن، وأنتم صائرون كذلك في هذا النعيم إلى ما شاء الله.

قوله: (ولا تقربا هذه الشجرة (وذلك نهي من الله لآدم وزوجه كيلا يقتربا مجرد اقتراب من الشجرة المعنية التي بينها الله لهما، والمقصود في النهي أصلا هو الأكل، لكن النهي عن مجرد الاقتراب لهو آكد في التحذير ومجانبة الشجرة ومن المبادئ الأصولية المعتمدة في شريعة الإسلام مبدأ"سد الذرائع"وهو يقوم على تحريم ما وقع في الحرام أو ما يوشك أن يكون سبيلا تقود إلى المحظور نفسه، وذلك كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، كما تبين في الحديث الشريف.

واسم الإشارة (هذه (في محل نصب مفعول به، والشجرة بدل منصوب لكن هذه الشجرة من حيث حقيقتها ونوعها غير معروفة، وكل التفسيرات التي وردت في هذا الصدد لتحدد هذه الشجرة بالاسم لا تستند الى دليل موثوق من نص، وهي لا تستند في ذلك إلا الى أقوال في التوراة أو الإسرائيليات التي لا نركن إليها والتي لا تصلح دليلا في مثل هذه المواقف الغيبية، وعلى ذلك فإنه لا مساع لامرئ مسلم أن يخوض في مثل هذه المسألة خوض المتكلف فيما يورده موارد التمحل والزلل - إنما يجدر بالمسلم أن يقف في ذلك عند مفهوم العبارة المحدد للنص القرآني وهو أن آدم وزوجه قد نهيا عن الأكل من شجرة معينة، في الجنة لا نعلم عن حقيقتها وتحديدها شيئا، وكل الذي نعرفه أنها شجرة، الله أعلم بها.

قوله: (فتكونا من الظالمين (من الظلم ومعناه: وضع الشيء في غير موضعه وفي المثل"من استرعى الذئب في غير موضعه المناسب الذي يقتضي الإخلاص والحذر هكذا تكون المعاصي والذنوب دليلا على السير في غير المسار السليم أو الصراط المستقيم، حتى الإنسان نفسه إذا ما تنكب عن صراط الله أو تمرد على دينه ومنهجه سبحانه فقد وضع نفسه في غير موضعه الصحيح، بل إنه ضل ضلالا أو دس به إلى العمه والازورار ومضى يخيط في طريق وعر ملتوية، وما كان شيء من ذلك ليكون لولا التنكب عن صراط الله ليكون بدلا منه صراط آخر غير سوي ولا سليم وذلك هو الظلم."

قوله: فأزلهما الشيطان عنها أزلهما من الإزالة أو الزوال بمعنى الصرف والإبعاد، وقريب من هذا المعنى وهي التنحية، وثمة قول آخر وهو يتضمن معنى الزلل، أي أن الشيطان قد أوقع آدم وحواء في الزلل وهي الخطيئة بمعصية الله سبحانه، والذي يعول عليه هو القول الأول والذي يذهب إلى أن الكلمة تعني التنحية والإبعاد عن الجنة بسبب المعصية، وعلى ذلك يكون قوله: (عنها (معناه: بسببها أي بسبب الخطيئة المقترفة، والشيطان من الفعل شطن أي بعد وأشطن أي أبعد عن الخير والحق ونقول: تشيطن أي فعل فعل الشيطان، وهو البعد عن الخير والحق.

والمصدر شطون وهو البعد، وعلى ذلك فالشيطان كلمة تتضمن الكائن الجني أو الإنسي البعيد عن الخير والحق، فهو بذلك الكائن العاتي المتمرد الذي تجتمع في كيانه كمل مسالك الشر والباطل، والذي يسعى في الأرض ليثير فيها أسباب الفساد والشر وكل ظواهر الأذى والباطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت