قوله تعالى: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين) ذلك وعيد مخوف لمن استحل الربا، فمن استحل الربا فقد كفر؛ وإذا لم يستحله لكنه سادر في أكله وتعاطيه فإنه في زمرة العصاة الفاسقين - ولا ريب أنه سيلقى جزاءه في النار ليعذب فيها تعذيبا إلا أن يبوء إلى الله بالتوبة والامتناع عن الربا.
على أن الربا واحد من أكبر الكبائر وهو لفظاعته وبشاعته قد خُص من بين سائر المعاصي بشديد الإنكار والتغليظ - فهو الذين أذن الله فيه بالحرب في قوله: (فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله) .
وفي التشديد على بشاعة الربا ونكره روى ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:"الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه"215.
وروى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه و سلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه"- وقال:"هم سواء"216.
قوله تعالى: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبكم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العالمين) .
طاعة الله بالامتثال لفرائضه - وطاعة الرسول بالاستجابة لما جاء في السنن - وذلك مقتضى قوله: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) وذلك وعد من الله لعباده بأن رحمته تغشاهم إذا ما أطاعوه وأطاعوا رسوله.
وقوله: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) سارعوا أي بادروا، والمسارعة بمعنى المبادرة - وفي الآية حذف - تقدير الكلام: سارعوا إلى ما يوجب المغفرة وهي الطاعة - وقيل: أداء الفرائض - وقيل: المراد الإخلاص - وقيل: التوبة من الربا - وقيل غير ذلك - والصواب أن هذه الآية تعم الجميع.
قوله: (وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) ندب الله عباده إلى المسارعة في فعل الخيرات وتقديم الطاعات لتحصيل المغفرة من الله وللفوز بالجنة الواسعة المديدة، الجنة الوارفة الدائمة بكل ما فيها من آلاء وخيرات ومباهج، وبكل ما يتمناه المرء من نعيم وبهجة واستمتاع مما ليس له في تصور الإنسان نظير ولا نديد، لا جرم أن الجنة التي وعد الله عباده المتقين لا يدركه بال قاصر ولا يتصوره ذهن محدود من أذهان البشر، فهي من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه، ومن روائه ما قدره في الوجود تقديرا.
ولا يكشف للحس البشري أو تصوره عن روعة الجنة ومبلغها من الجمال والكمال غير آيات الكتاب الحكيم في ألفاظه الباهرة الفذة من مثل قوله سبحانه: (وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين) .
ومع ذلك كل هذا المدى من روعة الكلم الذي حواه القرآن عن وصف الجنة بأسلوبه الخارق الساحر، لا تتردد بعض العقول القميئة في إفراز ما يندلق من سخائم النقد المتهافت مما يدينها بالإفلاس وعقم التفكير - ومن جملة ذلك قول بعضهم: إذا كانت الجنة عرضها مثل عرض السماوات والأرض فأين النار؟