قوله: إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين بعد أن بين لهم بطلان عبادتهم وفساد توجههم نحو الأصنام وأراهم أن الله وحده حقيق أن يعبدوه دون غيره، اخبرهم عليه الصلاة والسلام أن الله لهم النصير وأنه المولى المرتجي وهو وحده المقصود الذي يؤيد ويحفظه من المكر والسوء، وينصره عليهم وعلى ضلالاتهم وأباطيلهم - وهو سبحانه الذي نزل القرآن - {وهو يتولى الصالحين} أي يحفظهم وينصرهم، ويدرأ عنهم الشرور والعوادي ويحول ما بينهم وبين أعدائهم الماكرين المخادعين الذين يتربصون بالمؤمنين المهالك والدوائر والعقابيل.
قوله: {والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون} ذلك تكرير لتوبيخ القوم المشركين وإهانتهم والتنقص بهم وإظهار سفاهتهم وهوان عقولهم - والمعنى: أن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله لا يملكون نصركم ولا نصر أنفسهم ولا يملكون أن يدفعوا عنكم ولا عن أنفسهم أي سوء و مكروه - فكان من هوان أحلامكم وفساد عقولكم أن تتخذوا لكم آلهة تعبدونها.
وهم كذلك إن دعوتموهم إلى صلاح وخير ولا يسمعوا دعائكم.
قوله: {وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون} الجملة في محل نصب حال؛ أي والحال أنك نراهم ينظرون إليك حال كونهم لا يبصرون - والمراد هنا الأصنام؛ فإنها تشبه الناضرين بما جعلوه لها من الأعين المصنوعة التي لا تبصر فكانت بذلك في هيئة الناظرين، وهي في الحقيقة لا ترى شيئا 271.
قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجهات 199 وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم 200 إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشطان تذكروا فإذا هم مبصرون 201 وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} .
العفو: المساهلة أو التساهل فيما بينه وبينهم وقبول اليسير منهم وهو الذي يسهل عليهم وأن يترك الاستقصاء عليهم في ذلك - والمعنى: خذ الميسور من أخلاق الرجال ولا تستقص عليهم - وعفو المال ما يفضل عن النفقة 272 - والمراد هنا العفو في مطالبة الحقوق الواجبة لله تعالى وللناس، وفي معنى ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد: (رحم الله سهل القضاء، سهل الاقتضاء) ولا ينافي ذلك أن يكون لصاحب الحق والديون وغيرها من الحقوق استيفاء ما له حق وملازمة الغرماء حتى الاستيفاء؛ لأن ذلك مندوب إليه دون أن يكون وجبا - وقد يكون العفو هنا في قبول العذر من المعتذر وترك المؤاخذة والإساءة - قال عبد الله بن الزبير وجمهور المفسرين في تأويل الآية: اقبل من الناس في أخلاقهم وأموالهم ومعاشرتهم بما أتى عفوا دون تكلف ولا تحرج - والعفو ضد الجهد؛ أي لا تطلب منهم ما يشق عليهم حتى لا ينفروا - وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك بقوله: (يسروا ولا تعسروا) وقيل: سأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام عم قوله: {خذ العفو} فاخبره عن الله أنه يأمرك (أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك) - قال ابن عباس وغيره: إن هذه الآية في الأموال قبل فرض الزكاة؛ إذ أمر أن يأخذ ما سهل من أموال الناس؛ أي ما فضل وزاد، ثم فرضت الزكاة فنسخت هذه.