قوله: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} صفا منصوص على المصدر في موضع الحال - وكأنهم بنيان مرصوص، في موضع نصب على الحال - أي يقاتلون مشبهين بنيانا مرصوصا 3، وذلك إطراء من الله للمؤمنين المجاهدين الذين يقاتلون أعداء الله مصطفين متراصين وهم في تراصهم وتكاتفهم وتماسكهم كأنهم حيطان مبنية قد رص بعضها إلى بعض - وذلك كناية عن بالغ التآخي والتعاون وتآلف القلوب في ساحات القتال - فلا يتخلل المؤمنين المجاهدين في هذه الساعات شيء من الوهن أو الاختلاف أو الاضطراب أو خور العزائم 4.
قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه ياقوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين 5 وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يديّ من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} .
يعني واذكر يا محمد قول موسى بن عمران لقومه بني إسرائيل: لم تفضون إلي بالأذى وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من النبوة والرسالة - وفي هذا تأنيس لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أصابه من المشركين من قومه، وتخضيض له على الصبر.
قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} أي لما مالوا عن الحق أو عن سبيل الله المستقيم فجنحوا للشرك والضلال والباطل، وهم يعلمون صدق نبيهم موسى {أزاغ الله قلوبهم} أي أمالها عن الهداية والحق وأثار فيها الشك والخذلان.
قوله: {والله لا يهدي القوم الفاسقين} أي لا يجعل الله الهداية والسداد والتوفيق للخارجين عن طاعة ربهم، الذين يختارون الكفر على الإيمان.
6 - (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)
قوله: {وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم} يعني واذكر قول عيسى ابن مريم لبني إسرائيل: إني مرسل إليكم من ربي أبلغكم دين الحق وأنهاكم عن الشرك والباطل وأتلو عليكم الإنجيل، {مصدقا لما بين يديّ من التوراة} أي جئت مصدقا لكتاب الله التوراة الذي أنزله الله من قبلي على رسوله موسى، {ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} أي وأحمل لكم البشرى بالنبي العربي الأمي من بعدي واسمه أحمد - فقد كان عيسى (عليه الصلاة والسلام) خاتم النبيين من بني إسرائيل - وقد قام في بني إسرائيل مبشرا برسول الله محمد، وهو أحمد صلى الله عليه وسلم وهو خاتم النبيين والمرسلين - وأحمد اسم تفضيل ومعناه أحمد الحامدين لرب العالمين وأكثر النبيين والمرسلين حمدا لله.
ونبوته صلى الله عليه وسلم حقيقة لا شك فيها - إنها حقيقة ساطعة بلجة استيقنتها قلوب أهل الكتاب أنفسهم فما يجحدها الجاحدون منهم إلا استكبارا وحسدا ونفورا من الحق واليقين ورغبة في الضلال والشر، وإذعانا للهوى الذي يركب النفس المريضة.