قوله: {ثقلت في السموات والأرض} أي ثقل علم الساعة على أهل السموات والأرض؛ فقد عز عليهم أن يعرفوا وقتها ومجيئها لخفائها عنهم واستئثار الله بعلمها، وبذلك لا يعرف متى تقوم الساعة لا نبي مرسل ولا ملك مقرب - وقيل: ثقلت بمعنى كبرت، فلا تطيقها السموات والأرض - ذلك أن الساعة إذا جاءت انشقت السماء، وانكدرت النجوم، وانتثرت الكواكب، وكورت الشمس، وسيرت الجبال - لا جرم أن ذلك هائل ومخوف ومزلزل، وفيه من الثقل على أهل السموات والأرض ما يخلع القلوب خلعا - وكذلك فإن الساعة إنما تأتي فجأة من حيث لا يشعر بها أحد فهي تبغت بقيامها الناس إذ تأتيهم على غفلة وفي الخبر: (إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه - وذلك تأويل قوله: لا تأتيكم إلا بغتة) وبغتة، منصوب على المصدر في موضع الحال 259.
قوله: {يسألونك كأنك حفي عنها} الحفي، معناه العالم المستقصي، الملح في السؤال 260؛ أي يسألك المشركون عن الساعة يا محمد، كأنك عالم بها كثير السؤال عنها - وقيل: يسألونك عنها كأنك صديق بهم أو قريب منهم وتخفي عليهم، أو كأنك حفي بهم؛ أي كأنك فرح ومسرور بسؤالهم - نقول: احتفى به: بالغ في إكرامه وأكثر السؤال عن حاله؛ فهو حاف وحفي - وحفا الله به حفوا، أكرمه - والحفاوة، الإلحاح 261.
قوله: {قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي أبلغهم يا محمد مبينا لهم بجلاء ووضوح أن علم الساعة خفي عن العالمين وقد استأثر الله به ولا علم لأحد في المخاليق بالساعة أو متى تقوم {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي أكثر الناس لا يعلمون أن الله وحده مستأثر بعلم الساعة، وأن الخلق جميعا لا يدرون متى تفجأهم.
قوله: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله} أي أبلغ هؤلاء الذين يسألونك عن الساعة متى تقوم: أنني لست قادرا على تحصيل النفع أو الخبر لنفسي، ولا دفع الضر أو المكروه أن يحل بي إلا ما شاء الله لي أن أقدر عليه من ذلك وهو أن يمكنني ربي من ذلك ويعينني عليه - ومن كانت هذه حاله من ضعف الاستطاعة وهوان الاقتدار؛ فأحرى أن لا يعلم متى تقوم الساعة، ولأنها من مستور الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
قوله: {ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء} إنني لا علم لي بالغيب، ولو كنت أعلمه، فأعلم ما هو كائن وما ليس بكائن لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير والمنافع واجتناب المضار والمكاره كيلا يمسني منها شيء، فلا أكون -مثلا- غالبا في الحرب مرة، ومغلوبا مرة أخرى، ورابحا في التجارات مرة، وخاسرا مرة أخرى، ومصيبا في التدبير مرة، ومخطئا مرة أخرى - بل لكنت دائما غالبا ورابحا ومصيبا.
بمثل هذه الصراحة الكاملة وهذا الوضوح التام يأمر الله رسوله الكريم بمخاطبة قومه - خطاب لهم ظاهر ومستبين لا لبس فيه ولا إشكال - خطاب فيه من طهر الغاية والمقصود واستقامة المنهج والأسلوب ووضوح المعنى وكماله ما يزجي بأبلغ برهان على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم - لا جرم أن هذه واحدة من الدلائل البلجة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه مبعوث من عند الله أرسله للعالمين هاديا ومنيرا.