قوله: {وإنهم ليصدّونهم عن السبيل} الشياطين الذين يلازمون أتباعهم من فسقة الإنس يوحون إليهم دائما حب الكفر والعصيان ويزينون لهم فعل المعاصي والموبقات، فهم بذلك يصدونهم عن التوحيد وعن دين الله وما فيه من الأحكام والأوامر والعبر {ويحسبون أنهم مّهتدون} وذلك هو ديدن الظالمين الفاسقين عن أمر الله في كل زمان فإنهم مما غشيهم من الغرور وفرط الجهالة والضلال يحسبون أنهم على حق وأنهم على الصراط السوي المستقيم - وهم في الحقيقة ضالون تائهون موغلون في العصيان والباطل.
قوله: {حتّى إذا جآءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين} هذا الغافل عن دين الله، السادر في الكفر والباطل إذ جاء ربه يوم القيامة ومعه قرينه الشيطان يلازمه ولا يفارقه تمنى لو أن بينه وبين قرينه الشيطان بعد المشرقين، أي بعد ما بين المشرق والمغرب - أو ما بين مشرق الشتاء ومشرق الصيف.
قوله: {فبئس القرين} أي بئس الصاحب أنت، فهو ملازمه ومصاحبه يوم القيامة دون مفارقة حتى يصير به إلى النار.
قوله: {ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} {أنكم} في
محل رفع على الفاعلية، يعني: ولن ينفعكم اليوم كونكم مشتركين في العذاب والسبب في ذلك أن الناس يقولون: إن المصيبة إذا عمت طابت لتعاون الجميع في حمل أعبائها - فالصحيح أن كل واحد منهم به من العذاب مالا يطيقه - وقرأ بعضهم (إنكم) بالكسر.
قوله: {أفأنت تسمع الصّمّ أو تهدي العمي} الهمزة لإنكار التعجب، وفي ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإخبار له بأنه لا يملك القدرة على إسماع من سلبه الله الاستطاعة لسماع الحجج والدلائل، ولا هداية من أعمى الله قلبه عن إبصار الحق والهدى، فإنه لا يقدر على ذلك إلا الله الخالق - فما ينبغي أن يضيق صدرك يا محمد بضلال هؤلاء المشركين وعدم اهتدائهم للحق وشدة جموحهم نحو الباطل {ومن كان في ضلال مبين} معطوف على ما قبله، أي إنك لا تهدي من حاد عن صراط الله أو سلك غير سبيل الحق - إن هؤلاء الكافرين جميعا أشبه بالصّم الذين لا يعقلون ما جئتهم به، وأشبه بالعمي الذين لا يبصرون الحق والنور لإفراطهم في الضلالة وإيغالهم في الجهالة.
قوله: {فإمّا نذهبنّ بك فإنّا منهم مّنتقمون}
يعني إن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين فنخرجك من
بينهم فإنا منتقمون منهم كما فعلنا ذلك بغيرهم من الأقوام السابقين الذين كذبوا رسلهم.
قوله تعالى: {أو نرينّك الّذي وعدناهم فإنّا عليهم مّقتدرون} يعني نريك ما وعدناهم من ظفرك بهم وانتصارك عليهم، فإنا مقتدرون على إعلاء شأنك وإظهار دينك عليهم - قال ابن عباس: قد أراه الله ذلك يوم بدر - فقد أظهر الله فيه الإسلام والمسلمين، وأعز الله دينه وأعلى من شأن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.