فهرس الكتاب

الصفحة 965 من 2536

قال ابن عباس في هذه الآية: لما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلل المشركون في أعين المسلمين - فقال المشركون: غر هؤلاء دينهم - وإنما قالوا ذلك من قتلهم في أعينهم فظنوا أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك - فقال الله: {ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم} أي من يسلم أمره إلى الله ويثق به تمام الثقة ويركن إليه تمام الركون؛ فلسوف ينصره ويرعاه؛ لأن الله عزيز؛ أي قوي الجلال والسلطان، لا يغلبه شيء ولا يقهره قاهر - فمن استجار بجنابه؛ حفظه وكفاه - وهو كذلك {حكيم} فلا تصدر أفعاله وأوامره وزواجره وأقداره إلا عن حكمة، فينصر من يستحق النصر، ويخذل من لا يستحق غير ذلك 60.

وذلك أمر من الله لعباده المؤمنين بان يديموا التوكل على الله وحده دون أحد من خلقه؛ فإن الله حافظهم وجاعل الغلبة لهم.

قوله تعالى: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق 50 ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظالم للعبيد} أي لو عاينت يا محمد هؤلاء الكفرة وهم تتوفاهم الملائكة؛ لرأيت ما يروع القلب ويرعب الوجدان مما يجده هؤلاء العصاة المجرمون من فظاعة التنكيل والإيلام حال انتزاع أرواحهم؛ إذ الملائكة {يضربون وجوههم وأدبارهم} والمراد بأدبارهم استاههم - على أن انتزاع الأرواح من الكافرين في ذاته غاية الإيلام والفظاعة، ثم يضاف إلى ذلك ضربهم على وجوههم واستاههم زيادة في الإيجاع والتنكيل - وعن الحسن البصري قال: قال رجل: يا رسول الله إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك 61 - قال (ذاك ضرب الملائكة) .

قوله: {وذوقوا عذاب الحريق} وهذا قول الملائكة للظالمين الخاسرين لدى انتزاع أرواحهم من أجسادهم بغلظة وفظاظة، فضلا عن ضربهم بمقامع الحديد المحماة على وجوههم واستاههم - لا جرم أن ذلك تفظيع لحال هؤلاء الأشقياء سواء كان ذلك في الدنيا؛ إذ تنتزع الملائكة أرواحهم بقسوة، أو كان في يوم القيامة حيث الويل واشتداد الأهوال وعظائم الأمور! نسأل الله العفو والنجاة والرحمة في المقامين.

قوله: {ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظالم للعبيد} ذلك، في محل رفع مبتدأ - وخبره محذوف تقديره جزاؤكم أو {بما قدمت أيديكم} هذا من قبل الملائكة للكافرين الخاسرين عند الموت؛ إذ يقولون لهم: هذا العذاب جزاء لكم بسبب ما اكتسبتموه من الآثام والأوزار وبما اجترحتموه من الخطايا وعصيان الملك الجبار - وهو سبحانه أعدل العادلين لا يظلم الناس مثقال ذرة 62.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت