فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 2536

وبعد ذلك يحض الله عباده على العمل بما يوعظون به والمبادرة للعمل بأوامره سبحانه، ثم الوقوف عند حدوده من غير اعتداء أو تجاوز ولسوف يجزيهم الله خير الجزاء في الحياة وبعد الممات - في الحياة حيث الرخاء والأمن والطمأنينة والنعيم المقيم، وبعد الممات حيث النجاة من العذاب الأليم الواصب.

قوله: (وأشد تثبيتا) أي على الإيمان والحق - وقيل: أشد تصديقا والتثبيت كلمة جامعة تتناول كل صور التمكين والاستقرار والقوة، سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة، فإن أولي العقيدة الصحيحة المكينة لا تثنيهم النوازل والأهوال والمحن عن منهج الله وعن دينه القويم، ولكنهم دائما ثابتون أقوياء يغمرهم برد اليقين ليكونوا في هذه الحياة آمنين ثابتين مطمئنين، وهم في الآخرة (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) وكذلك فإنهم حينئذ (لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون) .

قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما) .

جاء في سبب نزول هذه الآية عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله! إنك لأحب إليّ من نفسي، وأحب إليّ من أهلي، وأحب إليّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك - فلم يرد عليه النبي (ص) حتى نزلت هذه الآية.

وقيل: نزلت في ثوبان مولى رسول الله (ص) وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه فأتاه ذات يوم وقد تغيّر لونه ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن فقال له:"يا ثوبان ما غيّر لونك؟"فقال: يا رسول الله ما بي ضرّ ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف ألا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبدا فأنزل الله هذه الآية 108 - وهي مطمئنة للمؤمنين الذين يمضون في طاعة الله ورسوله الكريم، فأولئك قد منّ الله عليهم إذ جعلهم في الجنة مع النبيين والصدّيقين والشهداء لا في الدرجة أو المنزلة ولكنهم معهم في دار واحدة، وهي دار النعيم والخلود، يستمتعون برؤيتهم وزيارتهم، فأهل الجنة يتزاورون فيما بينهم بالرغم من تفاوت درجاتهم في الجنة - فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) قال:"إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون أو ترون الكوكب الدري الغابر في الأفق الطالع في تفاضل الدرجات".

والنبيّون مفردها نبي من النبوة وأصلها النبوءة ثم حذفت الهمزة للتخفيف وهي تعني الإخبار عن طريق الوحي، ولا يلزم أن يكون النبي رسولا بل يلزم أن يكون الرسول نبيا - فكل رسول نبي قد نيطت به وجيبة التبليغ، أما النبي غير المكلف بالتبليغ فما أوتي رسالة يبلغها الناس ولكنه متعبد متحنث.

أما الصدّيقون، فمفردها صدّيق على وزن فعّيل وهو يفيد المبالغة في الصدق والتصديق فضلا عن مزية التحقيق بالفعل لما يقال باللسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت