وعلى ذلك فإن الكائن وهو يتحرك في دائرة من الطبع والغريزة والميول الفطرية إنما يتحرك ضمن الكيفية الأصيلة التي جبل عليها هذا الكائن، وهي كيفية ليست من اصنطاع أحد وإنما هي من صنع الله - وبذلك نقول: إن الكائن قانت لله دائما، يستوي في ذلك أن يكون مؤمنا أو غير مؤمن - فالجميع يتحركون ويتصرفون بناء على فطرتهم وكيفية تخليقهم، هذا التخليق الذي صنعه الله وقدره في الكائنات تقديرا.
أما الخلائق الكثيرة الأخرى من غير ذات العقل فلا ريب أنها جميعا قانتة لله على نحو وكيفية لا يعرفها أحد من الناس إلا من أذِن له الله فأوقفه على حقيقة ذلك - يقول سبحانه في ذلك: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} .
قوله: {بديع السماوات والأرض} وهذا المعنى الكريم وثيق الصلة بما سبقه من معنى - والمقصود من ذلك: نفي ما نسب إلى الله من اتخاذ الولد، فإنه سبحانه غني عن أن يكون له ولد، فهو مالك الأرض والسماوات التي يقنت لجلالة كل ما فيهن من خلائق، وهو كذلك بديع السماوات والأرض، أي مبدعهما ومنشؤهما على غير مثال سبق - وبديع على وزن فعيل وهو على صيغة مبالغة من الإبداع ومنه المبدع وهو اسم الفاعل - فالله عز وعلا سابق الحياة والأحياء والوجود جميعا، فإنه ليس قبله شيء؛ فهو وحده الذي أبدع السماوات والأرض وأنشأهما إنشاء من غير أن يكون لهن قبل ذلك سابق إنشاء أو وجود.
ومن البديع يرد مفهوم البدعة وهي نوعان: بدعة حسنة مشروعة وأخرى سيئة ممنوعة - أما البدعة الحسنة المشروعة فهي ما كانت موافقة لشرع الله من كتاب أو سنة أو عمل الصحابة، فهي بذلك ليست مخالفة لأمر من أمور الشرع أدنى مخالفة، لا صريحة ولا ضمنية تؤول إلى المحظور في النهاية.
ومثال ذلك ما رآه عمر بن الخطاب في البدعة الحسنة، إذ جمع الناس على صلاة التراويح في جماعة بعد أن كان الناس يصلونها فرادى زمن النبوة الكريمة وفي زمن الصديق الخليفة الراشد الأول- رضي الله عنه- وقال عمر في ذلك:"نعمت البدعة هذه".
أما البدعة السيئة الممنوعة فهي ما كانت مخالفة لشرع الله من كتاب أو سنة أو عمل الصحابة، ويتضمن ذلك كل قول أو عمل لا يقوم على أساس من الشرع معتمد أو جاء على غير مثال سابق من أعمال الصحابة أو أقوالهم فهو بذلك ممنوع شرعا يجب النهي عنه ودفعه.
والبدع السيئة في هذا الزمان كثيرة يصعب التحدث عنها في هذا المجال الذي نعرض فيه لهذه المسألة مرورا سريعا - ومثال البدع السيئة زيارة القبور في أيام العيد من قبل الرجال، فقد اعتاد كثير من المسلمين من خلال أعراف ضالة زيارة القبور في مناسبات معلومة كالعيدين وهما الفطر والأضحى - فهم يذهبون إلى القبور حيث يزور بعضهم بعضا؛ ليتبادلوا هناك المعايدات أو يعاودون عبارات التعازي من جديد ثم يحتسون القهوة وبعدها ينصرفون.