فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 2536

قوله تعالى: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا) .

وليخش: اللام للأمر - والمقصود في الآية موضع خلاف العلماء - فقد قيل: هم الأوصياء، فإن الله يعظهم أن افعلوا باليتامى من الخير والنصح والرعاية ما تحبون أن يفعل بأولادكم من بعدكم - وقيل في رأي ثان: المراد جميع الناس فقد أمروا بأن يتقوا الله في اليتامى فيحسنوا معهم المعاملة ويسددوا لهم القول مثلما يريدون أن يُفعل بأولادهم من بعدهم.

وفي قول ثالث لجمع كبير من المفسّرين وهو الراجح، أن الرجل يحضره الموت فيقول له من يحضره عند وصيته: إن الله سيرزق ولدك فانظر لنفسك وأوص بمالك كله أو معظمه في سبيل الله، فيأتي على ماله أو غالبه مما يوقع ضررا فادحا بورثته فنهاهم الله عن ذلك - وعلى ذلك فالنهي والتحذير هنا متعلقان بمن يحضر الوصية إذا حضرت الوفاة المورث - فكأن الآية تقول لهم: مثلما تخشون على ورثتكم وأهليكم وذريتكم من بعدكم فكذلك خافوا على ورثة غيركم وذريتهم ولا تحملوا الموصي الموروث على التبذير في العطاء والوصية ليدع من بعده أهله عالة فقراء يتكففون الناس.

قال ابن عباس في ذلك: إذا حضر الرجل الوصية فلا ينبغي أن يقول: أوص بمالك فإن الله تعالى رازق ولدك ولكن يقول قدّم لنفسك واترك لولدك، فذلك قوله تعالى: (فليتقوا الله) .

قوله: (وليقولوا قولا سديدا) القول السديد هو الكلام العدل أو الصواب من القول والفعل 18، والمعنى أن الله سبحانه يدعو الحاضرين للوصية أن يأمروا المريض وهو المورث الموصي بأن يوصي من ماله بالقدر المناسب الذي لا يلحق ضررا بورثته.

قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) - ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية قد نزلت في الأوصياء الذين يأكلون ما لا يجوز أكله من مال اليتامى - ولعل الأظهر في الآية أن تدل على العموم ليشمل المراد بها كل من يعتدي على مال اليتيم سواء كان وصيا أو غيره - إذ لا يشترط أن ينحصر أكل مال اليتيم في الأوصياء دون غيرهم فإن كثيرا من الطامعين والعصاة من غير الأوصياء يتطاولون على اليتيم في ماله ليأكلوه دون تورّع أو تقوى.

ولا ينحصر الاعتداء في الأكل، بل إنه يشمل كل وجوه الأخذ والإتلاف - لكنه قد ذكر الأكل لكونه الغالب في كيفية الاستفادة من المال - وفي الجملة فإن الاعتداء على مال اليتيم بأكله أو استلابه وأخذه بغير حق لا جرم أن يكون ظلما، والظلم معناه وضع الشيء في غير موضعه، وهو انحراف وميل عن القسطاس المستقيم وعن شرع الله الحكيم - والآكلون لأموال اليتامى هم من الظلمة الفسّاق الذين ستكتوي جلودهم وأبدانهم بلظى النار الحارقة فضلا عن أكل النار إذ تلج بطونهم فتتأجج فيها تأججا.

ومن لطيف المعنى المنبثق من التعبير بالبطون أن يكون في ذلك بيان لنقص الآكلين وخستهم وما هم عليه من ضعة وابتذال وفساد للطبع - ولا جرم أن يكون ذلك من التشنيع عليهم وإركاسهم في الهوان والحضيض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت