وكذلك الأساليب التي يمارسها بعض المتصوفين وأصحاب الطرق وأخص منها بالذات"الدروشة"وهي حركة يمارسها المتصوف الدرويش في حالة من الهوس المخبول الذي يجد الدرويش فيها نفسه غير ذي وعي أو ضبط - ومعلوم أن الإسلام ينشر في المرء كل أسباب الوعي والإدراك والضبط، ليكون على بصيرة من أمره، فيعبد الله على علم، وليؤدي رسالته في الناس فاهما حاذقا بصيرا - أما الأساليب البلهاء التي يمارسها الدراويش في حركات مخبولة غير واعية، والتي يفتقد فيها الإنسان كل توازن فهي ليست من الدين في شيء - وكذلك الأذكار المضافة التي يرددها المؤذن بعد عبارات الأذان المشروع، فإنها زيادة عما هو مشروع مما بلغنا عن النبي (صلى الله عليه وسلم) والصحابة، إلى غير ذلك من ألوان البدع الكثيرة - والله سبحانه أعلم.
وقوله: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} قضى بمعنى حكم وقدر أو أراد، إذا أراد الله إمضاء أمر من الأمور أو إنقاذ شيء قرره من قبل، فإنه يحقق ذلك فعلا بقوله: {كن} وهي فعل تام - بمعنى أحدث - فقوله: {كن فيكون} أي أحد فيحدث - والمراد هو حصول ما تعلقت به إرادة الله بلا مهلة، وذلك بطاعة المأمور المطيع بلا توقف - وقيل: الكلمة {كن} تجري على الأمور كلها - فلزم بذلك أن تأتي الكلمة على الجمع؛ لأنه إذا قال لكل أمر كن ولكل شيء كن فهن كلمات على الجمع، لا المفرد - وهو المراد بقوله عليه السلام:"أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"وبهذه الكلمة أوجد الله عز وجل عيسى عليه السلام من غير أب - قال سبحانه: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} .
وبهذه الكلمة كذلك أوجد الله من خلق منذ القديم، ويوجد أيضا من يخلق حتى يرث الأرض والسماوات ومن فيهن - وهي كلمة الله التامة التي يحقق بها ما يريد من إبداع الخلق أو فعل أو أمر - وهو سبحانه بعد ذلك له ملكوت كل شيء، ولا تملك الأشياء والكائنات حيال قوله: {كن} إلا الإذعان المستسلم الكامل، والتنجيز المحقق الفوري استجابة للأمر الأكبر من رب العالمين 105.
قوله تعالى: {وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم} .
المقصود بالذين لا يعلمون هم مشركو العرب - وذلك الذي نميل إليه ونرجحه مع أنه قيل إن المقصود بهم اليهود، وقيل النصارى، لكن سياق الكلام يبين رجحان الأول، فقد قال المشركون العرب على نحو من الإحراج والتحدي للنبي: {لولا يكلمنا الله} ولولا هنا أداة تحضيض بمعنى هلا - أي يكلمنا الله تكليما فنسمع ذلك سماعا نطمئن به، وهلا أتيتنا يا محمد بآية - أي علامة- دالة على صدق دعوتك ورسالتك؟ هكذا يطلب السفهاء المعاندون الجهلة! وهو مطلب لا ينم على رغبة في التثبت والتصديق وسلامة المقصد، ولكنه مطلب يدل على رغبة مولغة في اللجوج والتحدي، وهو يدل كذلك على طبائع جبلت على العناد والاستكبار والصلف من غير إذعان لحجة واعية أو منطق سليم.