فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 2536

وفي جملة المقصود من الإصرار على الفعل يقول ابن كثير رحمه الله في تأويل قوله: (ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) أي تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها - ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه - وأورد في ذلك عن أبي يعلى في مسنده عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة"224.

وقوله: (وهم يعلمون) في محل نصب على الحال من فعل الإصرار، والمعنى: أنهم ليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بقبحها وبالنهي عنها وبالوعيد عليها 225.

قوله: (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) الإشارة عائدة إلى المتقين الذين سبق وصفهم بما وصفهم به.

فهؤلاء (جزاؤهم) أي ثوابهم الذي أعطاهم الله إياه يتجلى في أمرين: أحدهما الأمن من العقاب - وذلك في غفران الله وعفوه عن نوبهم.

ثانيهما: إيصال الثواب - وذلك فيما أعده الله لهؤلاء من جنات - وهي البساتين تجري خلال أشجارها الأنهار - إلى غير ذلك من وجوه الخيرات والثمرات واللذات فضلا عن رضوان الله يغشى أهل الجنة ليذيقهم به كمال البهجة والحبور.

ويكتمل هذا النعيم الرخي الوارف بخير ما تكتمل به النعائم واللذات وذلك بديمومة الحال وبقائه - وذلكم الخلود الذي قال الله فيه: (خالدين فيها ونعم أجر العالمين) .

137 - (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)

قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيرا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) هذه تسلية من الله للمؤمنين بعد أن أصابهم القرح يوم أحد إذا انتابهم من الهم والحزن ما أصابهم فقتل منهم سبعون، من بينهم والحزن يبين الله للمؤمنين أنه فيمن كان قبلكم من الأمم كعاد وثمود وقوم هود ولوط وغيرهم من السابقين الذين كانوا عتاة ظالمين، فقد مضت فيهم سنن، أي ما سنه الله فيهم من المثلات 226 والدوائر - ثم كانت العاقبة لأنبياء الله ومن معهم من المؤمنين الصابرين، ولهذا قال سبحانه: (فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) وذلك لتعتبروا بما ترون من آثار هلاكهم - وليس المراد الأمر بنفس المسير، بل المقصود تعرف أحوالهم فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض فقد حصل المقصود.

138 - (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ)

قوله: (هذا بيان للناس) هذا إشارة إلى القرآن قد جعله الله بيانا للناس كافة، وهدى وموعظة للمتقين خاصة - وهو قول الحسن وآخرين - وقيل: هذا إشارة إلى ما تقدم من الأمر والنهي والوعد والوعيد وما ذكره من سنن السابقين، وهو ما اختاره الإمام الطبري رحمه الله إذ قال: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هذا إشارة إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله جل ثناؤه المؤمنين وتعريفهم حدوده وحضهم على لزوم طاعته والصبر على جهاد أعدائه وأعدائهم 227.

أما البيان فمعناه الشرح والتفسير أو ما يدل على إزالة الشبهة - والهدى معناه الدلالة على سبيل الحق ومنهج الله - والموعظة هي التذكير بالصواب والرشاد وذلك عن طريق الكلام الذي يفيد الزجر عما هو محظور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت