قوله: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} (كلهم أجمعون) ، توكيد بعد توكيد 24؛ فقد استجاب الملائكة لأمر الله؛ إذ أطاعوه مذعنين مستسلمين، لم يتخلف منهم أحد - وهو ما يؤكده قوله: (كلهم أجمعون) فخروا جميعا ساجدين ممتثلين أمر ربهم مبادرين للطاعة دون وناء.
قوله: {إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين} إبليس مشتق من الإبلاس وهو اليأس 25، المراد: أن إبليس أيس من رحمة الله، فلا أمل ولا رجاء له في خير أو رحمة البتة.
أما الاستثناء فقد قيل: إنه متصل، والمعنى: أن إبليس كان من الملائكة فلذلك استثناه - وقيل كان إبليس من جملة المأمورين بالسجود لآدم فلذلك استثناه من جملتهم - وقيل: الاستثناء هنا منقطع، ومعناه لكن - وبذلك ليس إبليس من الملائكة بل كان من الجن وقد خلقه الله من نار، وهو دائم الفسق والعصيان لله - أما الملائكة فهم خيار أبرار خلقهم الله من نور وهم لا يعصون الله ما أمرهم.
قوله: (أبى أن يكون مع الساجدين) الإباء معناه الامتناع - والسجود، معناه وضعه الجبهة على الأرض - وأصله الانخفاض والانحناء وطأطأة الرأس 26 - والمعنى المراد: أن إبليس امتنع من السجود لآدم كما أمره ربه غرورا واستكبارا أن يسجد مع الملائكة - فعصى إبليس بذلك عصيانه الشنيع، وفسق عن أمر ربه؛ فكان أشد الخليقة عتوا وتمردا واستكبارا 27.
قوله تعالى: {قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون (33) } (ما) ، في موضع رفع مبتدأ - وخبره - (لك) - والتقدير: أي شيء كائن لك ألا تكون؛ أي في ألا تكون - وقيل: أن، زائدة - ويكون (ألا تكون) في موضع نصب على الحال 28.
خاطب الله إبليس بهذا القول على لسان بعض رسله - وقيل: خاطبه الله جل جلاله على سبيل الإنكار والتحقير والإهانة - كقوله يوم القيامة مخاطبا أهل النار في النار (اخسئوا فيها ولا تكلمون) والمعنى: لمَ لمْ تسجد يا إبليس مع الساجدين؟ وهو في خطابه الكريم هذا يحقر إبليس اللعين غاية التحقير، ويندد به أبلغ تنديد، ويكشف للعالمين بشاعة الطبع المقبوح الذي يستقر في حقيقة هذا الكائن الشقي المتمرد بعصيانه أمر رب العالمين الذي سجدت له السموات والأرض وما فيهن.
قوله: {قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون} اللام في (لأسجد) ، لتأكيد النفي؛ أي لا يستقيم مني ولا يليق بي أن أسجد لبشر مخلوق من طين أسود منتن - وإبليس اللعين يعني بذلك أن آدم ذو أصل خسيس وضيع وهو الصلصال؛ فكأنه يقول: كيف يسجد من هو في مثلي عظيم الأصل - والخلقة لمن أصله الطين المنتن المهين؟
هكذا كان تصور إبليس للمسألة - وهو أن الخلائق إنما تقاس بأصولها وأحسابها، أو تقاس بأشكالها وظواهرها المكشوفة - لا جرم أن نظرة كهذه للأمور والحياة جد خاطئة؛ بل إن المعيار الصحيح لقيم المخاليق ومقاديرها لهو جمال الفطرة الأصيلة وسلامة الطبع السوي، وما يفضي إليه ذلك كله من مقتضيات ومآلات عظيمة، غاية في الخير والبراءة والسمو والرحمة - فما يغني المخلوق هيئته وصورته أو حقيقة أصله مادام أثيم الفعل، منكود الطبع، قبيح الخصال - وإنما ينبغي التعويل كله على روعة الجوهر واستقامة السلوك وحسن الفعال 29.