فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 2536

قوله تعالى: (والذان يأتيانها منكم فأذوهما فإن تاب وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما) - اللذان مثنى الذي - والمقصود من قوله: (والذان) الرجل والمرأة إذا زنيا فإنه يجب إيذاؤهما بالشتم والتعيير والضرب بالأيدي والنعال - كذلك كان الحكم حتى نسخ بالجلد في سورة النور وبالرجم في السنة النبوية - وقيل نزلت في الرجلين إذا تلاوطا، وذلك ضعيف؛ لأن عقوبة اللواط القتل من غير اشتراط لتحصين أو عدمه وفي هذا أخرج أهل السنن عن ابن عباس مرفوعا أن النبي (ص) قال:"من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به".

قوله: (فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما) أي فإن أقلعا ورجعا عن السوء وصلحت حالهما واستقامت أخلاقهما فأقلعوا عن إيذائهما بقبيح الكلام والتعيير - ومن تاب فإن الله يتوب عليه فهو سبحانه شأنه التوبة عن المسيء إذا رجع عن مساءته وهو سبحانه رحيم بعباده يتجاوز عن ضعفهم وخطيئاتهم بعد أن يتوبوا - وعلى أية حال فإن الحكم في هذه الآية نظير الحكم في الآية السابقة من حيث النسخ، فإمساك الزواني في البيوت حتى الموت وإيذاء الزناة بالضرب والشتم والتعيير ثم الإقلاع عن ذلك بعد صلاح الحال، كل أولئك بات منسوخا بعد نزول الناسخ في سورة النور (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وكذلك بعد ثبوت الرجم في السنة عند التحصين - وبعد ثبوت الناسخ فإن التوبة لا تدفع حدا عن الحدود إذا ما بلغ ذلك الحاكم.

قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما) هذه الآية عامة لكل مذنب - ومن افترق ذنبا فرض عليه أن يتوب إلى الله كيلا يظل متلبسا بالإثم ولا ذهاب للإثم بغير توبة - وفي وجوب التوبة على المؤمنين المقارفين للمعاصي يقول سبحانه: (وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون) وليست التوبة لزاما مفروضا على الله ولا يليق بكماله وجلاله أن تفرض عليه التوبة عن المسيئين فرضا وإنما الله سبحانه بالخيار إن شاء تاب وغفر وإن شاء حاسب وعذّب.

والتوبة الصحيحة التي يقبلها الله ذات شروط لا تصح بدونها وهي أربعة: الندم بالقلب، وترك المعصية في الحال، والعزم على ألا يعود إلى مثلها، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره - وقوله: (بجهالة) جاء فيها جملة أقوال تتركز في معنى جامع وهو أن كل من عصى الله خطأ أو عمدا فهو جاهل - فمن الجهالة أن يعصي العبد ربه كيفما كانت معصيته - وإن من الحق أن نتبين أن العبد لا يتعدى حدود الله ولا يتجرأ بالمعصية إلا وهو جاهل بجلاله وعظيم شانه، قال قتادة في هذا الصدد: أجمع أصحاب النبي (ص) على أن كل معصية فهي بجهالة عمدا كانت أو جهلا.

ولو اجتمعت للمرء كامل المعرفة والتبصر بعظيم الهيمنة الإلهية والقدرة الربانية لأمسك عن المعاصي والآثام ولبادر بالطاعة والخضوع لأمر الله جلّت قدرته فلا يأخذه في ذلك عتو ولا استنكاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت