فهرس الكتاب
أما القرآن العظيم نفسه فهو من حيث النَّظْمُ والمعنى فذو شأن عجيب ومميز؛ فإنه من حيث النَّظْمْ ليس بالشعر؛ لأنه في مزايا نظمه وأسلوبه مختلف تماما عن الشعر ذي الكلام الموزون المقفى، وليس القرآن كذلك بل إن القرآن لذو أسلوب خاص ليس له في أصناف الكلام نظير - وما عرفت العربية له مثيلا من قبل ولا من بعد - وفي ذلك يذهب فريق من أقطاب البيان والبلاغة ومصاقع الخطابة والفصاحة من أفذاذ العربية إلى أن القرآن ليس على ضرب من ضروب النظم في لغة العرب - فليس هو بالشعر ولا بالنثر ولا بالسجع ولا بالخطابة ولا بالرسالة - وما يستقيم له شيء من ذلك، إنْ هو إلا القرآن وكفى.
أما القرآن من حيث المعنى فإن فيه من روائع الأغراض والمقاصد، ومن عجائب المعاني والأحكام والعبر ما يستثير الخواطر والأذهان، ويشدَهُ الوجدان والجنان لبالغ حججه ودلالاته، وبما حواه من عظيم المشاهد والأخبار والأسرار والحكم، فأين ذلك كله من الشعر في أغراضه المعلومة من الهجاء والرثاء والإطراء والفخر ووصف النساء والخمر؟! وذلك كله تأويل قوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} أي لا يستقيم له ولا يليق به ولا يتأتى له إن أراد قرضه - وقد عرفتموه وأخبرتم طبعه؛ إذ لبث فيكم أربعين سنة فما كان ليقرض الشعر ولا الشعر بمتسهِّل له.
قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ} أي ليس القرآن إلا عظة بالغة وإرشادا ونورا تهتدون به إلى سواء السبيل {وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ} أي ليس هو بالشعر ولا غيره من ضروب البيان بل إنه قرآن ظاهر ومعلوم بأسلوبه الخاص ونظمه الفريد، وطريقته المميزة.
قوله: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} الضمير في قوله: {لِيُنْذِرَ} عائد على القرآن أو الرسول صلى الله عليه وسلم 45 وعَوْدهُ على القرآن أظهر فهو أقرب مذكور - والقرآن أنزله الله نذيرا لكل ذي عقل وفطنة؛ فإنما يتعظ به من كان ذا بصر وتأمل فهو الحي - أما معدوم البصيرة والبصر، الذي لا يتدبر ولا يتذكّر ولا يتعظ فإنه أشبهُ بالموتى الذين لا تنفعهم الموعظة ولا تؤزُّهم الذكرى.
قوله: {وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي يجب العذاب على المكذبين الغافلين الذين لا يتعظون ولا يتفكرون في آيات الله كأنهم ميتون خامدون 46.
قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ} .
ذلك توبيخ لمشركي قريش والذين على شاكلتهم من الكافرين والمنافقين - وهؤلاء جميعا يقول لهم الله جل جلاله: أو لم يعلم هؤلاء المكذبون الغافلون ما خوَّلناهم من النعم وما مننّا به عليهم من مختلف الأرزاق والمنافع - وهو قوله: {أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} أي خلقنا لهم مما تولينا إحداثه ولم يقدر غيرنا أن يُحْدِثه {أَنْعَامًا} أي خلقنا لهم الأنعام من إبل وبقر وغنم {فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ} أي خولناهم امتلاكها والتصرف فيها تصرّف الملاك - وقد خصّ الأنعام بالذكر؛ لأنها كانت جلَّ أموالهم.