نزلت في مشركي مكة، وهم خمسة نفر: عبد الله بن أبي أمية المخزومي، والوليد ابن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاص بن عامر - قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى - وقيل: نزلت في المستهزئين؛ إذ قالوا: يا محمد ائت بقرآن غير هذا فيه ما نسألك 18.
والمعنى: أنه إذا قرئ المشركون آيات الكتاب الحكيم الذي أنزله الله إليك يا محمد بينات واضحات {قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله} أي قال الذين لا يقنون بوحدانية الله، ولا يصدقون بيوم المعاد ولا بالعبث من القبور {ائت بقرآن غير هذا أو بدله} أي رد هذا القرآن الذي جئتنا به، وجئنا بغيره من نوع آخر أو بدله إلى موضع آخر - والمراد بالتبديل الذي سألوه إياه هو أن يحول الوعد وعيدا، والوعيد وعدا، والحلال حراما، والحرام حلالا - وقيل: أن يسقط من القرآن ما فيه تسفيه أحلامهم وعيب آلهتهم.
قوله: {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائي نفسي} أي ليس هذا إلي وإنما هو من شأن الله - وما أنا إلا العبد المأمور والرسول المتبع المكلف بالتبليغ قوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي ما أتبع في كل ما جئتكم به من أمر ونهي، ومن وعد ووعيد، ومن تحليل وتحريم، إلا ما جاءني به الوحي من عند الله - فلا أتقول عليكم شيئا من عند نفسي.
قوله: {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} أي قل لهم يا محمد: إني أخشى من الله إن عصيت بمخالفة أمره أو بتغيير أحكام كتابه، أو بدلت شيئا من آياته -عذاب يوم القيامة حيث الأهوال والبلايا وعظائم الأمور.
قوله: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به} أي لو شاء الله وما أرسلني إليكم فتلوت عليكم هذا القرآن؛ فهو إنما أنزل إليكم وتلوته عليكم بمشيئة الله وإرادته، ولو شاء سبحانه ما {أدراكم به} أي ما أعلمكم به على لساني - و {أدراكم} ، من أدراه يدريه؛ أي أعلمه يعلمه.
قوله: {فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون} أي لقد مكثت فيكم مدة من الزمن وهي أربعون سنة - وذلك من قبل أن أتلوا عليكم هذا القرآن ومن قبل أن يوحي إلي ربي - وكنتم خلال هذه المدة تعرفونني تمام المعرفة - تعرفونني بالصدق والأمانة، وأنني موصوف بأنني أمي لا أقرأ ولا أكتب، ثم جئتكم بهذا الكلام الفذ الذي عجزتم عن معارضته {أفلا تعقلون} ألي فيكم عقول تميزون بها بين الحق والباطل فتدركون وتوقنون أن هذا القرآن لا يقدر على انتحاله بشر وإنما هو من عند الله.
قوله: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون} أي ليس من أحد أشد ظلما وعتوا وإجراما ممن يتقول على الله فيزعم أن الله أرسله وهو ليس كذلك، فاختلق الكذب على الله أو افترى عليه باطلا أو كذب بشيء من آياته {إنه لا يفلح المجرمون} وهم الذين أجرموا بتلبسهم بالكفر والجحود واجتراحهم المعاصي؛ فهم لا ينجحون يوم القيامة، وليس لهم عند الله فلاح ولا نجاه.