فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 2536

وفي قول ثان أن الناس يقولون إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية فكانوا بذلك يتحرجون من الطواف بينهما، فنزلت الآية من أجل ذلك.

وفي قول ثالث لبعض الأنصار قالوا: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة فنزلت الآية.

وفي قول رابع أخرجه الإمام البخاري وهو شبيه بالقول الثاني - وهو أن أنسا رضي الله عنه سئل عن الصفا والمروة فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله عز وجل: (إن الصفا والمروة من شعائر) .

والصفا في اللغة جمع ومفرده صفاة وهي الحجر الصلد الأملس الذي لا يُنبت 152.

وأما المروة فهي مفرد وجمعه المرو وهي حجارة بيض براقة توري النار 153.

وذكر القرطبي في تفسيره أن الصفا من الاصطفاء، وقد سميت بذلك؛ لأن آدم قد اصطفاه الله ليكون صفوته - وهو عليه السلام وقف عليه فسمي به - ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المرأة فأنّث لذلك.

وقوله: (من شعائر الله) (شعائر) جمع مفرده شعيرة وهي تعني العلامة من الشعار، فالشعائر المعالم أو العلامات التي جعلها الله أعلاما للناس يتعبدون عندها.

وحج البيت يعني قصده والتوجه إليه - والاعتمار يراد به العمرة أي الزيارة 154.

أما من الناحية الشرعية فإن المقصود بالتطوف بالصفا والمروة وهو السعي أن المسير بينهما مشيا وهرولة سبع مرات.

وقد ورد أن النبي (ص) لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن فاستلمه ثم خرج من باب الصفا وهو يقول: (إن الصفا والمروة من شعائر) ثم قال:"ابدأ بما بدأ الله به"وفي رواية ثانية:"ابدأوا بما بدأ الله به".

وأخرج الإمام أحمد بإسناده أن النبي (ص) كان يطوف بين الصفا والمروة والناس بيد يديه وهو وراءهم وهو يسعى ويقول:"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي".

وفي روية أخرى عنه (ص) :"كُتب عليكم السعي فاسعوا".

أما السعي من حيث الحكم فقد ذهب الشافعي، وأحمد في رواية عنه، ومالك إلى أنه ركن؛ استنادا إلى النصوص النبوية آنفا.

وذهب أحمد في رواية أخرى عنه وآخرون معه إلى أنه واجب وليس بركن - فمن تركه عمدا أو سهوا أمكن جبره بدم.

وذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وآخرون إلى أن السعي سنة مستحبة.

واحتجوا لذلك بقوله سبحانه: (ومن تطوع خيرا) فإنه يفهم بذلك أن السعي مجرد تطوع فهو بذلك مستحب غير مفروض - والذي نميل إليه ونرجحه أن السعي فرض استنادا إلى الأدلة من سنة النبي (ص) التي ذكرناها، ومنها قوله عليه السلام:"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"أما قوله: (ومن تطوع خيرا) أي زاد (الساعي) في طوافه بينهما على القدر المطلوب وهو سبعة فيطوف ثامنة أو تاسعة - وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع - وقيل غير ذلك، لكن الراجح عندي الأول - وفي ذلك ما يبطل الاستدلال بهذه الآية على سنية السعي؛ وذلك لوقوع الاحتمال في أوجه الدليل - ومعلوم أنه إذا وقع الاحتمال سقط الاستدلال.

وقوله: (فإن الله شاكر عليم) يجازي الطائفين المتنفلين الذين يتطوعون زيادة على المفروض، وهو سبحانه عليم بأعمالهم كلها لا يعزب عنه منها شيء، صغير كان أم كبيرا 155.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت