والمعنى المراد، أنه ما إن عاين موسى اندكاك الجبل حتى هاله المشهد ترويعا فلم يحتمل مثل هذه المعانية الهائلة التي لا يقوى على رؤيتها كائن؛ لفرط هولها الذي يفوق الحس والتصور ويعلو على الكائنات في مبلغ قدراتها وطاقتاها - وبذلك {خر موسى صعقا} أي سقط مغشيا عليه - وقيل: مات ثم بعثه الله؛ وذلك لهول ما أحس وفظاعة ما رأى.
قوله: {فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} يعني لما ثاب إلى موسى وعيه مما غشيه من الرهب والصعق قال مخاطبا ربه: {سبحانك ثبت إليك} يعني أنزهك يا رب تنزيها يليق بكمالك وجلالك وعظيم سلطانك أن يراك مخلوق في هذه الدنيا ويقوي بعد ذلك على الثبات أو التماسك - وقد ثبت إليك يا رب عما سألتك إياه من رؤيتك {وأنا أول المؤمنين} أي المؤمنين بك من قومي - وقيل: من بني إسرائيل في هذا الزمان - أو أول من آمن بك أنه لن يراك أحد قبل يوم القيامة 183.
قوله تعالى: {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين 144 وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين} الاصطفاء، الاجتباء والاختبار؛ أي فضلتك يا موسى واخترتك على الناس في زمانك {برسالتي} أي بأسفار التوراة لتكون للناس هدايا ومبلغا ومرشدا {وبكلامي} أي كلمتك تكليما وناجيتك مناجاة من غير واسطة ودون غيرك من الناس - وتلك خصيصة قد امتاز بها موسى عمن سواه؛ إذ كلمه ربه وناجاه - فهاتان نعمتان كبريان وشرفان عظيمان يمين الله بهما على موسى وهما شرف الإرسال وإنزال التوراة، ثم شرف التكليم من غير واسطة.
قوله: {فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} أي خذ ما أعطيتك من الرسالة وشرف النبوة، واشكر الله بالإقرار بالقلب وتمام الطاعة لما أمر والمسارعة إلى إرضائه سبحانه.
قوله: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء وموعظة وتفضيلا لكل شيء} كتب الله التوراة لموسى؛ إذ كتبها جبريل بأمر ربه عز وعلا، وأضاف الله الكتابة إلى نفسه؛ تشريفا للتوراة وتعظيما - وقد كتب فيها {من كل شيء} مما يحتاجون إليه في دينهم من الأحكام ومن نبين للحلال والحرام - وقيل: لا يريد بكل شيء التعميم بل ذكر ذلك على سبيل التفخيم كقوله: {تدمر كل شيء} - وذلك كله {موعظة وتفصيلا لكل شيء} أي أنزلت التوراة على بني إسرائيل؛ لتكون لهم موعظة؛ أي ليتعظوا ويثوبوا إلى بارئهم؛ فلا يميلوا عن شرع الله - ولتكون {تفصيلا لكل شيء} أي تبيينا الأحكام الحلال والحرام وغير ذلك مما أمروا به أو نهوا عنه 184.
قوله: {فخذها بقوة} أي قال له ربه: خذ التوراة بجد واجتهاد ونشاط، وكذلك كلفه ربه أن يأمر بني إسرائيل أن يأخذوا بأحسن التوراة وهو قوله: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} المراد بأحسنها، المأمور بعلمه؛ فقد أمرهم أن يعلموا بما كان مأمورا به وهو أحسن من العمل بالمنهي عنه - وقيل: بأحسن ما فيها بما أجره أعظم من اجر غيره - كقوله: {فيتبعون أحسنه} ومن الأحسن الصبر على الغير والعفو عنه؛ فهو أحسن من الانتصار للنفس والأخذ لها بالقصاص من الجاني - وكالعمل بالعزيمة أحسن من العمل بالرخصة، وبالفريضة دون النافلة.