قوله: {ولا تقم على قبره} كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له بالتثبيت؛ فقد روي أبو داود بإسناده عن عثمان بن عفان (رضي الله عنه) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل) .
قوله: {إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} وهذا تعليل لترك الصلاة على المنافقين أو القيام على قبورهم - وهو أنهم كانوا يخفون في صدورهم الكفر بالله ورسوله ولم يتوبوا عن ذلك، بل ظلوا على حالهم من الكفر والجحود حتى ماتوا {وهم فاسقون} أي ماتوا وهم خارجون من ملة الإسلام مفارقون أمر الله ورسوله 164.
قوله تعالى: {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} ما ينبغي للمؤمنين أن تغرهم كثرة الأموال والأولاد لدى الكافرين والمنافقين ليسترضوهم ويداهنوهم.
ما ينبغي لأهل الإسلام، أهل الكرامة والشهامة والاستعلاء أن يستحوذ عليهم الإعجاب بما أوتي الكافرون والمنافقون من زخارف الدنيا وزينتها - فما أوتيه هؤلاء من خير وولد منصب، ليس إلا فتنة لهم، فيعذبهم الله بها في الدنيا من فرط ما يغشاهم من الهموم ودوام التفكير والاغتمام من أجلهم - فضلا عما يبتلي الله به في أموالهم وأولاهم من الرزايا والنائبات - وبعد ذلك كله تزهق أنفسهم؛ أي يموتون، فيفارقون المال والولد وزينة الحياة الدنيا كلها - وإذ ذاك تهب على أرواحهم لواعج كثاف من الحسرة الغامرة، والالتياع الممض أسفا على فراق ما تركوه وراء ظهورهم.
قوله تعالى: {وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله الله استأذنوك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين 86 رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون 87 لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون 88 أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم} .
إذا أنزل الله على رسوله سورة من القرآن فيها دعوة المنافقين إلى الإيمان بالله وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم، وتآمرهم بالجهاد مع رسول الله بادر {وأولوا الطول منهم} أي أهل الغنى والسعة والمال -بالاستئذان في التخلف عن السفر للقاء العدو فيمكثوا في أهليهم قاعدين: سالمين {وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين} أي دعنا يا محمد نقعد في منازلنا مع الضعفاء والعجزة من الناس - وذلك هو شأن المترفين البطرين من الأغنياء والموسرين في كل زمان - أولئك الذين وهنت عزائمهم واسترخت نفوسهم إزاء المال المركوم بقناطير المقنطرة، فانفلت قلوبهم عن الإيثار والشجاعة والغيرة على الدين والوطن والعباد؛ فهم لإيغالهم المسرف في حب المال، والاجتهاد اللحوح المضني في تحصيله وجمعه؛ لا تميل نفوسهم إلا إلى الدنيا وما فيها من زهرة الحياة ومتاعها؛ فهم بذلك أشد ممن سواهم نكولا عن الجهاد أو التفكير في لقاء العدو حرصا على أرواحهم أن تزهق، وعلى أموالهم أن يصيبها البخس - وبذلك آثروا أن يكونوا مع القاعدين وهم الضعفاء من الناس كالمرضى والعميان والأطفال والمسنين.