قوله: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ} التطير، معناه التشاؤم - والطيرة هي ما يتشاءم به من الفأل الرديء - و {اطَّيَّرْنَا} ، أصله تطيرنا 28، أي قال المشركون من ثمود لنبيهم صالح: تشاءمنا بك وبمن معك، فما رأينا على وجهك ووجوه الذين اتبعوك خيرا - فقد كانوا لحماقاتهم وجهالاتهم، لا يصيب أحدا منهم سوء إلا قال هذا من صالح وأصحابه افتراء منهم وتخريصا - فرد صالح مقالتهم وما كانوا يظنونه من الوهم والسفه فقال: {طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ} أي مصائبكم عند الله - أو السبب الذي منه يجيء خيركم وشركم {عِندَ اللَّهِ} ، وهو قضاؤه وقدره - فإن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم وهو قول الرازي - وقال لهم صالح أيضا: {بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} أي تمتحنون؛ إذ يختبركم الله بإرسالي إليكم ليميز المطيع منكم من العاصي، أو المهتدي من الضال، فيجازي الأول خيرا وحسنا، ويعذب الثاني بكفره وعصيانه - ويحتمل أن يكون المراد، أن الشيطان يفتنهم بوسوسته فيزين لهم الكفر وفعل المعاصي 29.
قوله تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} .
كان في مدينة صالح وهي الحجر، من أرض الشام {تِسْعَةُ رَهْطٍ} أي تسعة نفر - والرهط، ما دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة - والجمع أرهط وأرهاط وأراهط - ورهط الرجل قومه وقبيلته 30 - والمعنى: أن تسعة رجال من أشراف ثمود وهم من كبراء القوم وسادتهم وقادتهم إلى الضلال والكفر كانوا يفسدون في الأرض بالتحريض على تكذيب صالح والتصدي له بالأذى والجحود وغير ذلك من وجوه الإفساد، كتتبع عورات النساء وإشاعة الرذيلة بين الناس - وهم الذين سعوا في قتل الناقة - وفق ذلك كله تعاون هؤلاء الأشرار الأشقياء فيما بينهم على قتل صالح فتحالفوا على الإتيان بهذه الفعلة الفظيعة النكراء - وهو قوله: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} .
{قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} قال بعضهم لبعض مستسرين فيما بينهم: تحالفوا بالله، أي ليحلف بعضكم لبعض على أن نقتل صالحا وأهله ليلا {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} المراد بوليه، رهط صالح الذين لهم ولاية الدم - أي لنقولن لقبيلة صالح ما حضرنا قتل صالح وأهله أو إهلاكهم ولا نعلم من قتلهم {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} أي فيما نقول، وفي إنكارنا لقتله.