فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 2536

وطريق الإصلاح في الآية تحتمل وجهين - أحدهما: أن المصلح سواء كان وصيا أو غيره لا إثم عليه إذا ما قام بالوعظ ورد الحيف بقصد الإصلاح ما بين الورثة أنفسهم أو ما بين الموصي والورثة - وبعدها فإن الله غفور للموصي إذ عدل عن الجنف وما فيه من إضرار بالورثة.

وثانيهما: أن الوصية إذا علم بالحيف في الوصية فله أن يعدل عما أوصى به الميت (الموصي) إلى ما هو مقبول شرعا ليأتي ذلك منسجما مع روح الشرع في العدل في الوصية وعدم الجنف فيها؛ كيلا يتضرر الورثة أن يتأذوا - ومثل هذا التصرف من الوصي جائز وهو من باب الإصلاح لا التبديل المحظور، وهو بذلك حق وعدل وهو المقصود من قوله تعالى: (فأصلح بينهم) فإن ذلك إصلاح وخير فلا إثم على الوصي إن قام به؛ لذلك جاء قوله: (فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) أما الميل المتعمد في الوصية بما يضر الورثة فإنه حرام - وقد أخرج الدارقطني عن ابن عباس أن الرسول (ص) قال:"الإضرار في الوصية من الكبائر"195.

قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) .

الصوم في اللغة الإمساك عن الطعام والشراب والكلام 196 - وهو في الشرع الإمساك عن الطعام والشراب والجماع بنية الطاعة لله، وذلك ابتداء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس - وعرفه ابن قدامة بقوله: الصوم عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص 197.

على أن الصيام عظيم الفائدة للإنسان بما يحقق له المنفعة في جسده ونفسه، أما في مجال الجسد فإنه مناسبة زمنية فريدة ترتاح فيها المعدة من دوام الانهماك الشاغل في عملية الطعام ومعالجته - وفي ذلك من الجهد ما يقود في كثير من الأحيان إلى عديد من الأمراض - والنبي (ص) يبين للإنسان المؤمن أن الصوم طريق الصحة والعافية للأبدان رغم ما تشعر به النفس من لسعة الجوع وحرارة العطش أو انكسار وعناء يؤثران في ظاهر الإنسان، لا في جوهره وحقيقته - فقال عليه الصلاة والسلام في ذلك:"صوموا تصحوا"198 وغير ذلك من فوائد للأبدان يحققها الصوم - وهي فوائد كثيرة تتحدث عنها أقلام المتخصصين من أهل الطب.

وأما في مجال النفس فلا جرم أن يكون الصوم نافعا - وتتجلى هذه المنفعة فيما نحسه من واقع الصوم، سواء كان ذلك في اشتداد العزم وتقوية الإرادة، أو في إطفاء لهيب الشهوة؛ كيلا تحتدم وتجنح - ومعلوم أن الطعام يمد الشهوات بطاقة التحرك والاشتداد والفوران، خصوصا شهوة الجنس فإنها يغذوها الإكثار من الطعام بطاقة مندفعة تظل في استعار فائر حتى تجد متنفسها بأي أسلوب، لكن الصيام يخفف كثيرا من سورة هذه الشهوة الخطيرة حتى تأخذ في البرود والرقود والانكسار، وحينئذ يحس الإنسان روعة التحرر من غلواء الشهوة - وفي ذلك قد نبه النبي (ص) إلى أهمية الصيام، وأنه خير سبيل للشباب العزاب؛ كيما تهجع شهواتهم أو ترقد، فقال:"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت