قوله: {وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون} إن أداة نفي بمعنى ما أي هؤلاء المشركين المكذبين - بصدهم عن سبيل الإسلام وإعراضهم عن الكتاب الحكيم وكفرهم بالله ورسوله لا يهلكون إلا أنفسهم، إذ يوردونها الردى والخسران حيث السخط من الله والعقاب الأليم - وهم بفسقهم وانثنائهم عن دعوة الحق لا يدرون ما هم مفضون إليه من العذاب المهين 31.
قوله تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا نرد ولا نكذب بئيت ربنا ونكون من المؤمنين (27) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكذبون (28) وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} .
لو أداة امتناع لامتناع - وقيل: بمعنى (إن) الشرطية - وإذ بمعنى إذا فإن العرب قد تضع إذ مكان إذا - وتضع إذا مكان إذ - أما جواب لو فهو محذوف - والتقدير: لرأيت شيئا عظيما وهولا مفظعا - وحذف الجواب أبلغ في التخويف، لأن السامع بذلك تذهب نفسه كل مذهب - فلو صرح له بالجواب لكان قد وطن نفسه عليه فلم يخش كثيرا منه 32.
وقوله: {وقفوا} مبني للمجهول، يعني حبسوا - وقوله: {على النار} أي فوقها - قيل: على تعني الباء - أي وقفوا بقرب النار وهم يعاينونها - وشبيه بذلك أنهم جمعوا على أبوابها - وهو ما نختاره - فإن الكافرين يوقفون يوم القيامة قريبا من النار تجمعهم الملائكة جمعا كاثرا متراكما مجردين من كل كرامة أو اعتبار وهم واجمون شاخصون وجلون أمام جهنم يعاينون شواظها واستعارها معاينة، وقد غشيهم الرعب المريع وأحاطت بهم كل ظواهر اليأس والشقوة وانقطاع الرجاء - لا جرم أن ذلك مشهد مرعب لا يطيقه كائن من الكائنات بل لا تطيقه الجبال الشم الشواهق - أعاذنا الله منه عوذا.
قوله: {فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بئايات ربنا} نكذب منصوب بأن بعد واو المعية - كقوله: لا تأكل السمك وتشرب اللبن - وقيل: منصوب بإضمار أن على جواب التمني - وقيل غير ذلك كلام طويل - لكن الأول أصوب 33.
والمراد أن هؤلاء المشركين الذين ظلموا أنفسهم بشركهم وكفرهم يتمنون يوم القيامة أن لو يردهم الله إلى الدنيا ثانية حتى يتوبوا أو يبادروا الطاعة لله، وأن لا نكذب بما أنزل الله من الدلائل والآيات قوله: {ونكون من المؤمنين} أي نكون من المصدقين بالله وآياته ورسالاته والمتبعين لدينه وشرعه.
قوله: {بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل} بل إضراب عن تمنيهم وادعائهم الإيمان لو ردوا - وقيل: للانتقال من قصة إلى أخرى 34.
والمعنى أن الكافرين الظالمين لم يقصدوا بتمنيهم الرجوع إلى دنيا الندامة على تفريطهم في حق الله لكنهمم قالوا ذلك لهول ما هو نازل بهم من العذاب المطبق جزاء معاصيهم وخطيئاتهم التي كانوا يخفونها عن أعين الناس ويسترونها منهم فأظهرها الله على الملأ كافة يوم القيامة فافتضحوا بذلك على رؤوس الأشهاد - نسأل الله السلامة والنجاة والستر.
وقيل: بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون في أنسفهم من الكفر والتكذيب والمعاندة وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة.