فهرس الكتاب

الصفحة 634 من 2536

وقوله: {أربعين سنة} منصوبة بقوله بعدها {يتيهون} والتقدير أنهم بقوا يتيهون أربعين سنة - وقيل: منصوبة بالتحريم - وقوله: {يتيهون في الأرض} يقال تاه يتيه وتوها - والتيهاء المفازة التي لا يهتدي فيها - أي يسيرون فيها حيارى لا يهتدون طريقا - قال الحسن البصري في ذلك: كانوا يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا.

وفي أرض التيه حيث الحيرة والضياع والضلال حصلت لهم خوارق عجاب كتظليلهم بالغمام، وإنزال المن والسلوى، وإخراج الماء الجاري من الصخرة الصماء كان موسى يضربها بالعصا فتتفجر منها اثنتا عشرة عينا - وهناك نزلت التوراة وشرعت لهم الأحكام - إلى غير ذلك من الخوارق و لآلاء التي من الله بها على بني إسرائيل وهم ضائعون تائهون بالرغم من نكولهم عن أمر ربهم واجترائهم عليه بالمعاصي والفسق والتمرد - لا جرم أن ذلك امتنان من الله بالغ، فاق ما حظيت به أمة من من الخير والرغد والبحبوحة - ولا غرو فلله الحجة البالغة على بني إسرائيل.

قوله: {فلا تأس على القوم الفاسقين} هذه تسلية لكليم الله موسى بما يسري عن نفسه ويكفكف عنها الندم والحزن لما أصاب قومه من بلاء التيه استجابة من الله لدعائه - فما ينبغي له أن يحزن عليهم فإنهم مستحقون لما حل بهم 68.

قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الأخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العلمين (28) إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاؤا الظالمين (29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين (30) فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يوري سوءة أخيه قال ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارى سوءة أخي فأصبح من النادمين} .

ثمة صلة وثيقة بين قصة آدم هذه وما لقيه الرسول صلى الله عليهم وسلم من كيد يهود - فقد جحدوه وكذبوه وناصبوه الكيد والعداء بالرغم من إقرارهم قبل بعثه بصدق نبوته وأنه مبعوث من الله للناس - حتى إذا جاءهم بشيرا ونذيرا ردوه وكذبوه حسدا من عند أنفسهم - فما كان من سبب للتكذيب والجحد سوى المكابرة والحسد والبغي.

وهذه قصة مثيرة مريعة تكشف عن أفدح مثلبة تستحوذ على أكثر البشر - مثلبة في غاية الخسة والبغي وسوء الطبع المشين - وتلكم هي مثلبة الحسد - هذه الخسيسة المهينة التي لا ينجو منها أحد من الناس إلا أن يكون معصوما بوحي أو ببالغ التقوى كالصديقين والزاهدين والأبرار.

إنها المثلبة من المرض الخبيث العضال الذي يخالط أكثر القلوب - فما على التحرر من أسرها والتلطخ بلوثتها إلا النوادر من عباد الله - وهي لوثة تظل تشاغل النفس من الداخل لتقضها قضا أو تؤرقها تأريقا فتسومها المكابدة والمرارة - ذلك هو شان الحاسدين الآثمين الذين لا تبرح نفوسهم مفسدة الحسد ليظلوا على الدوام يألمون ويكابدون كلما أحسوا فضلا من الله على عباده - نسأل الله النجاة والمعافاة من لوثة الحسد والحاسدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت