الوجه الأول: أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان في إخراجها ما يشق على أنفس الورثة، فكان أداؤها مظنة للتفريط منهم، وذلك بخلاف الدين فإن الورثة مطمئنون إلى أدائه - من أجل ذلك قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين تحريضا للورثة على أدائها وترغيبا لهم في إخراجها من غير تردد أو تثاقل - ويؤيد استواء الوصية والدين في الوجوب قوله: (أو) .
الوجه الثاني: قدم الوصية لكثرة وقوعها - فأكثر المسلمين لا يفارقون هذه الدنيا إلا وقد تركوا لأنفسهم من خلفهم وصية يرجون بها جزيل المثوبة من الله - لكن الدين أقل وجودا - فهو ربما يقع أو لا يقع.
الوجه الثالث: قدمت الوصية في الآية؛ لأنها حظ المساكين والضعفاء، أما الدين فإنه حظ الغرماء - والغريم يطلب دينه من المدين بقوة السلطان والقضاء.
قوله: (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) لا داعي للمحاباة ومجانبة العدل والمساواة - وليس لأحد أن يميل بهواه وعاطفته صوب من يرغب من آباء أو أبناء، فإن المنفعة متوقعة ومرجوة من هذا مثلما هي متوقعة ومرجوة من الآخر - وعلى ذلك فإن الله سبحانه قد فرض لهذا وهذا وساوى بين الجميع في أصل الميراث كل بحسبه خلافا لما كانت عليه الحال في الجاهلية - وليت شعري هل يدري المرء من أنفع له، هل هو الابن أم الأب؟ والمراد بالنفع في الدنيا الدعاء المستجاب، والشفاعة يوم القيامة، فقد ذكر عن ابن عباس والحسن أن الابن إذا كان أرفع من درجة أبيه في الآخرة سأل الله فرفع إليه أباه - وكذلك الأب إذا كان أرفع من ابنه.
قوله: (فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما) أي ما تبين من أحكام للتوريث وإعطاء بعضهم أكثر من بعض هو فرض قد فرضه الله وقضاه بعلمه وحكمته فهو العليم بمواضع الخير والحق الحكيم في تصرفه وتقديره 26.
12 - (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)
قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين) .
الخطاب في هذه الآية موجه للرجال - والمقصود بالولد هنا هم بنو الصلب وبنو بنيهم وإن سفلوا كانوا ذكورا أو إناثا، واحدا أو أكثر، وذلك ما أجمع عليه العلماء بغير خلاف وأجمعوا أيضا على أن للزوج نصف ما تركته الزوجة من مال إذا لم يكن لها ولد وإن سفل - وللزوج مع الولد الربع - أما الزوجة فإن لها ربع ما تركه زوجها بعد وفاته إذا لم يكن له ولد وإن سفل - ولها الثمن إن كان لزوجها ولد وإن سفل ذكرا كان أو أنثى.