وفي السورة تحذير من القعود في مقاعد الذين يتناولون الإسلام بالسوء والطعن من الأشقياء والسفهاء والفاسقين - فإن علم المؤمن أنه لا يملك القدرة على التصدي لمثل هؤلاء الضالين الفجرة الذين يتطاولون على الإسلام بالشتائم والسخرية أو الاستخفاف والغمز فلا مساغ له بعد ذلك أن يقعد هذا المقعد - ولا مساغ له كذلك أن يجالسهم أو يحادثهم وهم يخوضون في آيات الله بالسخرية وبالبذيء من القول وهو ساكت واجم لا يريم ولا ينبس.
وفي السورة قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مع أبيه وقومه بعد أن ظن أن الكوكب ربه - وكذا الشمس - حتى إذا استبان له وجه الحق أبلج أيقن أن الله وحده بيده ملكوت كل شيء وهو الذي فطر السموات والأرض - فهو القاهر القادر الذي عنت له الوجوه، وخشعت له القلوب ولانت له الجوانح والجوارح.
إلى غير ذلك من المعاني الكبيرة والجليلة التي حوتها هذه السورة العظيمة.
بيان تفصلي للسورة
هذه السورة العظيمة مكية في جملتها - وهي أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين - وفيها من أصول العقيدة الثابتة ما تجلى من خلاله بنيان هذا الدين الكبير وما قام عليه من أصول وقيم وتصورات وقد أنزلت هذه السورة ليلا جملة واحدة ومن حولها الملائكة يجأرون بالتسبيح مشيعين - وفي هذا أخرج الحاكم في مستدركه عن جابر قال: لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال:"لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق".
قوله تعالى: {الحمد لله الذي خلق السموت والأرض وجعل الظلمت والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} .
الحمد معناه الثناء - ومنه معنى التعجب والتعظيم للممدوح والخضوع من المادح - فهو أعم من الشكر الذي لا يكون إلا في مقابلة الصنيع 1.
فقد بدأ الله هذه السورة بالحمد على نفسه الكريمة تقديسا لذاته وتعظيما لجلاله وترسيخا للحقيقة الكبرى وهي الألوهية ليرسو في الأذهان والقلوب أن التعظيم الأكبر إنما يكون لله وحده دون أحد من خلقه.
قوله: {الذي خلق السموت والأرض} الله تعالى حقيق بالمدح الكامل ودوام الثناء لما امتن به على الكون من أنعم وخوارق وعجائب تدير الرأس وتثير الدهش وتبعث على البهر الغامر - ومن جملة ذلك كله خلق السموات والأرض، على هذه الكيفية الدقيقة الرتيبة المنتظمة - السموات العظام الطباق العلى وما فيهن من أجرام وأنجم وكواكب تمور في أفلاكها الدائرة مورا - وذلك في حركة دائبة مقدورة لا تهدأ إلا أن تحين ساعة الفناء - لا جرم أن ما بثه الله في السموات من خلائق وأشياء كاثرة مبثوثة في أرجاء هذا الكون المعمور ينطق بعظمة الخالق المبدع المقتدر.
الخالق البارئ المتفرد بالألوهية، المتعالي على الكائنات - وكذلك الأرض وما فيها من عجائب التركيب المنسجم، ما بين سهول منبسطة رداح، وجبال رواسي شامخات، وأبحر هادرة مائجة تثير الهول والوجوم، وأنهر جارية منسابة عذاب تشق بطون السهول والوهاد من الأرض - إلى غير ذلك من عجائب المناخ واختلاف المواسم بطقوسها وفصولها المتفاوتة المتكاملة التي تسير وفق نظام فلكي مقدر لا يند ولا يتخلف {صنع الله الذي أتقن كل شيء} .