قوله: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة) أما (الذل) فالمراد به ههنا السهولة وفرط اللين؛ أي ابسط لهما جناحك الذليل من فرط رحمتك بهما وعطفك عليهما - والمقصود من ذلك كله المبالغة في التواضع للوالدين، والشفقة عليهما، والترفق بهما.
قوله: (وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا) لم يقتصر على إيجاب البر بالوالدين والإحسان إليهما والنهي عن الإساءة إليهما بأدنى مراتب الإساءة كالتأفيف؛ بل أمر الوالد أن يدعو لهما في الحياة وفي الممات بالرحمة - وهو قوله: (ارحمهما) ولفظ الرحمة جامع لكل أصناف الخير والفضيلة؛ فالولد مأمور أن يترحم على أبويه وأن يدعو لهما بالخير والغفران والرحمة في حياتها وبعد موتهما - وذلك جزاء ترحمهما وترفقهما به وحدبهما عليه وهو صغير؛ إذ ربياه في صغره، وكابدا من صنوف التعب والنصب والإرهاق ما يبدد العافية والأعصاب تبديدا، وذلك من أجله كيما يكبر ويترعرع فيصير في عداد الأقوياء والنشطاء والمعافين 35.
قوله تعالى: {ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا} الله عليم بما في ضمائركم من قصد الإحسان إلى والديكم والنية في البر بهما وبذل الخدمة والطاعة لهما.
قوله: (إن تكونوا صالحين) أي صادقين في قصد البر بهم ثم فرطت منكم في حال من التعجل والغضب بادرة أو فلتة فيها إيذاء لهما، ثم رجعتم إلى الله تائبين نادمين (فإنه كان للأوابين غفورا) - المراد بالأوابين: الرجاعون إلى الله - من الإياب والأوب والمآب وهو الرجوع 36 والأواب: هو الذي إذا تلبس بذنب أو خطيئة بادر التوبة دون وناء؛ فهو من شأنه وديدنه الرجوع إلى ربه تائبا نادما على ما بدر منه من إثم أو خطيئة - وروي عن سعيد بن المسيب قال: الأواب الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب 37 - وهكذا لا يبرح المؤمن الأوبة إلى ربه في كل حال ليبادر التوبة كلما تعثرت فيه جارحة من جوارحه بإثم صغيرا أو كبيرا - والله جل شأنه غفار للتائبين النادمين الآيبين - وفي الحديث الصحيح أن رسول الله (ص) كان إذا رجع من سفر قال:"آبيون تائبون عابدون لربنا حامدون".
قوله تعالى: {وآت ذا القربى حقه والمساكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) } بعد الأمر ببر الوالدين وطاعتهما عطف بذكر الإحسان إلى أولي القربى والمساكين وأبناء السبيل - والظاهر أن الخطاب لعامة المسلمين ليضطلعوا بما يناط بهم من واجب الإنفاق على من تجب لهم النفقة فقال: (وآت ذا القربى حقه) فتجب النفقة على المقتدر لمحارمه الأقارب إن كانوا محتاجين - فما تبرأ ذمة المكلف من واجب الإنفاق على المحاويج من أقاربه المحارم حتى يؤدي لهم النفقة - وفي ذلك من سدّ لخلتهم ومواساة لهم وتأليف لقلوبهم واستدرار مودتهم ما لا يخفى.