وقوله: (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) عسى من الله في القرآن واجبة كما قيل - والمعنى المراد على وجه الخصوص في هذه الآية أن الناس عسى أن يكرهوا القتال، لما فيه من كرب ومشقة واحتمالات الضرر الخاص، ولكنه في النهاية سوف يفضي إلى خير كبير وهو النصر على أعداء الله وتحطيم شوكته والتمكين لهذه الأمة في الأرض لتصيح أمة قوية متمكنة - إلى غير ذلك من وجوه الأمن والاستقرار وتحصيل الخير والرزق والسعادة - وأما المعنى المراد على وجه العموم - أن المرء ربما كره شيئا لما يحسب أنه شر وأنه يؤول إلى نتيجة غير مرضية، وذلك بناء على حسابات الإنسان وتقديراته القاصرة والتي يعوزها الكمال في المعرفة أو الكشف عما يبطنه الغيب من مجاهيل وأخباء - حتى إذا خاص المرء غمار ما كره وجد أنه الخير وأن ما كان يخشاه ويكرهه قد أفضى به إلى الخير والمنفعة.
قوله: (وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) عسى أن يرغب المرء في الدعة والقعود دون الجهاد إيثارا للراحة وعدم المشقة والعناء، لكن ذلك سيودي به وبالآخرين إلى هاوية الذلة والاستعباد، وإلى الخنوع للكافرين الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر، ويعلمون على تدميرهم والقضاء عليهم قضاء تاما.
وكذلك ربما رغب المرء في شيء ظنا أنه خير، لكنه محسوب في علم الله سرا، وأنه يقود إلى خسران وفشل لا يعلمهما من قبل إلا الله، فليس للمرء في هذه القضايا إلا أن يستسلم لتقدير الله ومشيئته، وأن يرضى بما جعله الله قدرا مقدورا - وإن ذلك ما كان صدفة أو عشوائية ولكنه معلوم مقدر محسوب - والإنسان مهما علم فإنه لا يتجاوز بعلمه نطاق المستطاع المحدود - وهو لا يبرحه الضعف والإحساس بالبساطة والهوان إلا أن يكون جاهلا مغرورا - فإن ظن أنه أكبر من حجمه ومقدوره فقد ظلم نفسه وغار بها في غياهب الضلالة والضياع، وليس أصدق ولا أجمل ولا أكمل من العبارة الربانية الجلية القصيرة إذ يقول سبحانه: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) أي يعلم ما يصلحكم وما خير لكم في دنياكم وأخراكم، أما أنتم فلا تعلمون ذلك 276.
217 - (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
قوله تعالى: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم) .