فهرس الكتاب
قوله تعالى: {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا} الضمير في (أشهدتهم) يعود على الشركاء وهم الآلهة المزيفة والأنداد المصطنعة التي عبدها هؤلاء المشركون من دون الله.
والمعنى: أن هؤلاء الشركاء الذين عبدتموهم ليسوا إلا خلقا أمثالكم فلم أشركهم في الإلهية - ولو أشركتهم فيها لكانوا شركاء في خلق السماوات والأرض وكانوا مشاهدين خلق ذلك - لكنهم لم يشاهدوا خلق ذلك ولم يشاهدوا خلق أنفسهم، فكيف تعبدونهم.
قوله: (وما كنت متخذ المضلين عضدا) العضد، من المعاضدة وهي المعاونة والمناصرة - اعتضد به أي استعان 68.
أي لست مستعينا بالمخلوقين، وخص المضلين بالذكر لزيادة الذم والتوبيخ - والمعنى: ما استعنت بشركائكم المضلين على خلق السماوات والأرض وما كنت متخذا لي منهم أعوانا؛ فإني أنا الخالق القادر المنزه عن الشركاء والأعوان والأقران.
قوله تعالى: {ويوم يقول نادوا شركائي الذي زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا (52) ورءا المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا (53) } يوم، منصوب بفعل محذوف وتقديره: واذكروا يوم يقول نادوا شركائي - وهذه صورة من صور الهوان والخسران الذي يحيط بالمجرمين من مشركين وجاحدين ومضلين يوم القيامة؛ إذ يناديهم الله على رؤوس الخلائق والأشهاد زيادة في التوبيخ والتقريع والإهانة؛ إذ يقول لهم: أين الذين أشركتموهم بي فليمنعوكم من عذابي وليردوا عنكم ما حاق بكم الآن من هول وبلاء (فدعوهم فلم يستجيبوا لهم) أي فعلوا ما أمرهم الله من مناداتهم الأصنام وما كانوا يعبدون (فلم يستجيبوا لهم) لم يستجيبوا لندائهم ولم يدفعوا عنهم عذابا ولم يكفوا عنهم شيئا.
قوله: (وجعلنا بينهم موبقا) الموبق، المهلك، من الوبوق - وبق يبق وبوقا؛ أي هلك - أوبقه بمعنى أهلكه 69 - والمراد به ههنا: حاجز بين المشركين، وما كانوا يعبدون أصنام - فقد قيل: كل شيء حاجز بين شيئين فهو موبق - وقيل: الموبق واد في جهنم بين المؤمنين والكافرين.
قوله: (وراء المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها) (المجرمون) من مشركين وجاحدين ومضلين سيلاقون من الكروب والأهوال يوم القيامة ما تتقطع منه القلوب وتتزلزل لفظاعته الأبدان - ومن جملة ذلك: أن يعاينوا النار، فإذا عاينوها أيقنوا وتحققوا أنهم واقعون فيها لا محالة (ولم يجدوا عنها مصرفا) ليس لهم من دون النار مهرب يفرون إليه.
قوله تعالى: {ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} (صرفنا) ، من التصريف وهو التبيين والتوضيح، وتصريف الآيات أي تبيينها 70؛ فقد بيّن الله للناس آياته تبيينا وذلك بمختلف الوجوه من الأمثال والمواعظ والحجج لكي يتذكروا ويعتبروا ويزدجروا عما هم فيه من شرك وعصيان - لكن الإنسان شديد المراء والخصومة، شديد الجنوح للنسيان والغفلة 71.