قوله: {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى} أيّ، منصوب بالفعل {قَضَيْتُ} وما، زائدة - والأجلين مجرور بالإضافة وتقديره: أيَّ الأجلين قضيت - وقضيت في موضع جزم، جملة شرط بأيما - والفاء وما بعدها في موضع جزم جواب الشرط 25.
والمعنى: أن موسى قال لصاحبه شعيب: أي الأجلين من الثماني حجج والعشر {قَضَيْتُ} أي أتممت وأوفيت في رعي الغنم {فلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَيّ} العدوان معناه الظلم الصراح - ومنه التعدي، وهو التجاوز، أو مجاوزة الشيء إلى غيره 26 - والمعنى: أن لا تعتدي علي فتطالبني بأكثر مما قضيت.
قوله: {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} الوكيل بمعنى الشاهد والحفيظ؛ وذلك إشهاد بالله على ما اتفقا عليه 27.
قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} المراد بالأجل: خير الأجلين اللذين ذكرهما شعيب لموسى عليهما الصلاة السلام، ويدل على ذلك: ما أخرجه عن ابن عباس: أنه سئل أي الأجلين قضى موسى عليه السلام؟
قال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل.
ولما أتم موسى ذلك الأجل سافر بزوجته نحو مصر - وسواء ذهب لزيارة الأهل وأولي القربى أو غير ذلك من الحاجات والمقاصد؛ فإن موسى قد سيق على مصر بمشيئته وتقديره لتنجيز ما كان مسطورا في علم الله من المعجزات والأحداث الهائلة - وفي طريقه {آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} أي أبصر نارا من الجهة التي تلي الطور، وعندئذ {قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا} أي أقيموا مكانكم {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ} أي أجد عند النار من يخبرني عن السبيل؛ لأنه ضل الطريق - وقيل: كان معه زوجه وولدان، وقيل: ولد واحد {أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ} الجذوة، العود الغليظ، سواء كان في رأسه نار أو لم يكن، وقيل: للجذوة عود من حطب فيه النار {لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} أي تستدفئون؛ وذلك لما أصابهم من برد الطريق.
قوله: {فلمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} لما أتى موسى النار التي أبصرها نودي من الجانب الذي عن يمينه؛ أي عن يمين موسى لدى مسيره، وقيل: الأيمن، من اليمين وهو البركة، ضد الأشأم.
والشاطئ صفة الوادي والنهر، أي حافته، وكذلك الشط والساحل بمعنى 28 - لقد جاء النداء من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمين موسى {فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ} أي في القطعة من الأرض التي خصت بالبركة، لما جعل الله فيا من الآيات.