قوله: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} اللؤلؤ معناه الدرّ - والمرجان، صغار الدر 7 - وكلا اللؤلؤ والمرجان من الجواهر الثمينة، وهما مما يسخرج من الماء الملح وهو البحر - وقد ذكرهما على التثنية إذ قال: {منهما} ، لأنه يخرج من مجموعهما - فإذا وجد ذلك من أحدهما كفى - وذلك كقوله سبحانه: {يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم} والرسل لم يبعثوا إلا من الإنس خاصة دون الجن.
قوله: {وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام} والمراد بالجواري السفن التي تجري في البحر، وقد وصفها بالمنشآت أي المصنوعات، أو المخلوقات - وقيل: المرفوعات المشرعات {في البحر كالأعلام} أي كالجبال الشامخات في علوها وعظيم أحجامها - فهي سائرة تمخر عباب البحر كالجبال الشواهق.
قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وهو يشير بذلك إلى نعمة الله في السفن التي سخرها الله لعباده، إذ تجري على سطح البحر أو النهر بما خص الله به الأجسام من خاصية الطفو على وجه الماء لتسير على متنه السفائن العظام وهي موقرة بمختلف الأرزاق والأمتعة والحاجات، فيسهل على الناس التنقل من بلد إلى آخر طلبا للكسب أو التجارة أو الزيارة 8.
قوله تعالى: {كل من عليها فان 26 ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام 27 فبأي آلاء ربكما تكذبان 28 يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن 29 فبأي آلاء ربكما تكذبان} ذلك إعلان من الله كبير لا يحتمل الظن أو التردد، يبين الله فيه أن كل من على الأرض من الأحياء صائر إلى الموت والفناء - ومما يعلم من الأدلة الأخرى أن سائر الأحياء في السماوات والأرض صائرون إلى الفناء - كقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} قال ههنا: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} .
قوله: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} ليس من أحد يبقى سوى الله - فهو سبحانه الأجل الأعظم الباقي - وهو ذو السلطان والكبرياء.
قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وهذا تذكير بنعمة الله على عباده، إذ ساوى بينهم جميعا في الموت، فما من أحد، صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، عظيما أو صعلوكا، غنيا أو فقيرا، مؤمنا أو فاجرا إلا هو صائر إلى الموت، كالحطام والرفات - لا جرم أن ذلكم العدل الأكمل المطلق حتى إذا صار العباد جميعا إلى الله يوم الحساب جوزي المؤمنون الجنة، وجوزي المجرمون والظالمون جهنم، وهذه من أنعم الله على عباده المؤمنين.
قوله: {يسأله من في السماوات والأرض} الله كبير في علاه عظم قدره وجل جلاله، وهو سبحانه غني عن العالمين، ولكن العالمين جميعا محتاجون لرحمته وإحسانه، فقراء إليه - فهم يسألونه على الدوام أن يقضي حاجاتهم من الدين والدنيا - وهو سبحانه: {كل يوم هو في شأن} كل، ظرف زمان منصوب - والمعنى: أن الله من شأنه إجابة الملهوفين، وإغاثة السائلين، وعون المكروبين، وإبراء المرضى والمسقومين - وفي ذلك روي عن أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"قال الله عز وجل: {كل يوم هو في شأن} قال:"من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين""