فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 2536

على أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد بل هو عام ليشمل كل المواجهات العسكرية التي تقع بين المسلمين والكافرين، فلسوف يلقي الله الرعب في قلوب أعدائه الكافرين الذين يتربصون بالمسلمين الآمنين الدوائر، والذين يحاربون دين الله يوصدونه صدا - وفي هذا أخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال:"نصرت بالرعب على العدو"243 والرعب معناه الخوف - وأصله الملء رعبت الإناء أي ملأته - وسمي الفزع رعبا؛ لأنه يملأ القلب خوفا.

ومقتضى هذه الآية يبين لنا ما يلقيه الله من خوف وذعر في قلوب المشركين الظالمين على اختلاف مللهم ودياناتهم سواء كانوا من عبدة الأوثان أو أهل الكتاب أو الملاحدة أو المنافقين، فإن هؤلاء جميعا يجتمعون على كراهية الإسلام وعلى التآمر عليه، فهم جميعا تفيض صدورهم بالغيظ والحنق على الإسلام والمسلمين، وهم بقدر تغيظهم وحقدهم وكراهيتهم لدين الله وأهله يجعل الله في قلوبهم من الذعر والخوف ما يخالجهم مخالجة تؤرقهم وتؤزهم على الدوام - وليس أدل على ذلك من ديمومة التآمر والكيد الذي يجمع هؤلاء المشركين الظالمين جميعا على نحو ليس له في تاريخ التآمر والكيد والحقد نظير.

وقوله: (بما أشركوا) الباء للسببية - وما مصدرية، أي بسبب إشراكهم - فيكون المعنى أن السبب في إلقاء الله الرعب في قلوبهم إشراكهم به ما لم ينزل الله به حجة ولا برهانا، ولذلك قال: (ما لم ينزل به سلطانا) والسلطان يراد به الحجة والبرهان ولا يجمع؛ لأنه في مجرى المصدر - رجل سليط أي فصيح حديد اللسان - وامرأة سليطة أي صخابة 244 والمقصود أن هؤلاء الفاسقين الظالمين قد أشركوا بالله إشراكا ليس لهم فيه من الله برهان ولا دليل، إذ لم يرد فيه حجة صادقة لا من كتاب سماوي صحيح، ولا من منطق حقيقي مجرد يصدقه العقل السليم - فكان ذلك سببا في إلقاء الرعب في قلوبهم ليغشاهم من الخوف المستديم ما يقضهم قضا.

قوله: (ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين) المأوى المنزل الذي يأوي إليه الشيء ليلا أو نهارا - وهؤلاء المشركون الظالمون إنما يرتدون إلى النار مأواهم، حيث التحريق والاستعار - وحيث العذاب الرهيب الواصب - ويا له من مثوى (مأوى) بئيس تاعس يتقاحم في جحيمه الظالمون من أعداء الله والنبيين، أعداء الإسلام والمسلمين.

152 - (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)

قوله تعالى: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم مّن يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين إذ تصعدون ولا تلون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعلمون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت