بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية وآياتها إحدى وخمسون - وهي مبدوءة بذكر الحاقّة، وهي القيامة، إذ يتحقق فيها وعد الله ووعيده - وقد نبه الله إلى عظيم قدر الحاقة ليخشى الناس مما يستقبلهم من الأحداث العظام والنوازل المخوفة الجسام.
وفي السورة يقص الله علينا عن قوم ثمود وعاد - وهما أمتان ضالتان من الناس أخذهما الله بانتقامه الشديد جزاء عصيانهما وعتوهما وفسادهما في الأرض.
وفي السورة إخبار عن زلازل القيامة وأهوالها الشداد، وما يأتي على الكون فيها من شديد البلايا - والناس يوم القيامة صنفان مفترقان متباينان - فصنف ناج وسعيد يؤتى كتابه بيمينه ليعلم أنه من أهل السعادة - وصنف هالك خاسر يؤتى كتابه بشماله ليعلم أنه في الأذلين وأنه صائر إلى الجحيم والخسران المبين.
ويقسم الله في هذه السورة بآياته في الكون على أن القرآن حق وصدق وأنه تنزيل من رب العالمين فما هو بشعر ولا كهانة - إلى غير ذلك من الآيات والمعاني.
بسم الله الرحمن الرحيم
{الحاقّة 1 ما الحاقّة 2 وما أدراك ما الحاقة 3 كذّبت ثمود وعاد بالقارعة 4 فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية 5 وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية 6 سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية 7 فهل ترى لهم من باقية 8 وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة 9 فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية 10 إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية 11 لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} .
{الحاقة} ، الأولى مبتدأ.
قوله: {ما} استفهامية وهي مبتدأ ثان -
و {الحاقة} الثانية خبر المبتدأ الثاني
والمبتدأ الثاني وخبره في موضع رفع خبر للمبتدأ الأول.
قوله: {وما أدراك} ، ما استفهامية وهي مبتدأ - ما الثانية مبتدأ ثان، وخبره الحاقة - والمبتدأ الثاني وخبره في موضع نصب للفعل أدراك 1.
والحاقة، اسم من أسماء القيامة وهي يوم الحق - وقد سميت بذلك، لأن كل إنسان حقيق بأن يجزى بعمله - فهي التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال - أو لأن وقوعها حق لا شك فيه {ما الحاقة} والاستفهام معناه التفخيم والتعظيم لشأن الحاقة، وهي الساعة، كأن تقول: زيد ما زيد {وما أدراك ما الحاقة} يخاطب الله نبيه صلى الله عليه وسلم: وأي شيء أعلمك ما هي الحاقة وذلك تعظيم ثان لها - وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم عالما بصفات القيامة.
يضاف إلى ذلك شدة الإيقاع البليغ الذي يتجلى في كلمة {الحاقة} بحرف القاف فيها، وبمدها اللازم المثقل.
ومما يتجلى في القرآن من ظواهر الإعجاز، ملاءمة الألفاظ فيه للمعاني من حيث الرقة واللين، أو الفخامة والتهويل، أو الترغيب والتحضيض، أو الترهيب والتحريض - والحاقة بشدة وقعها على السمع والنفس تكشف لكل سامع متدبر أن أمر الساعة هائل وجلل، وأن الخطب فيها مذهل وجسيم ومروّع.
قوله: {كذّبت ثمود وعاد بالقارعة} ثمود قوم صالح - وعاد قوم هود فقد كذّب هؤلاء بالقارعة، وهي الساعة - فهي اسم من أسماء القيامة، والقارعة في اللغة هي الشديدة من شدائد الدهر وهي الداهية 2 وسميت بالقارعة، لأنها تقرع قلوب الناس بأهوالها وشدائدها - فهي تأخذ الناس على غرّة وهم في غمرة لهوهم ساهون غافلون.