وقوله: (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم) - لما قتلت سرية عبد الله بن جحش عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام، عنّف المسلمون ابن جحش وأصحابه، فلاقوا عن ذلك عنتا وأسفا، ثم فرّج الله بهذه الآية عنهم وكشف عنهم ما أصابهم من فعلتهم في الشهر الحرام، وبين لهم في الآية أنهم من المؤمنين الذين لهم أجر المهاجرين والمجاهدين في سبيل الله - وقد مدحهم الله بأنهم (يرجون رحمة الله) أي يطعمون مؤملين أن يشملهم الله برحمته، فإنه سبحانه وتعالى ذو مغفرة للناس على ظلمهم وما اكتسبوا من الإثم، وهو الرحيم الذي تسبق رحمته عذابه والذي يتجاوز للعباد عن السيئات لما يحيطهم به من واسع منّه وفضله وإحسانه - فقال في ذلك: (والله غفور رحيم) .
219 - (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)
قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم) .
جاء في سبب نزول هذه الآية أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعا الله في شأن الخمر قائلا: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا فنزل قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر) فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الآية التي في النساء (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فكان منادي رسول الله (ص) إذا أقام الصلاة ونادى: أن لا يقربّن الصلاة سكران فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: الله بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا فنزلت الآية التي في المائدة: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) فقال عمر: انتهينا انتهينا 280.
أما الخمر فهي مأخوذة من الفعل خمر أي سكر - ومنه خمار المرأة وهو ما يستر الرأس والجيب، وسميت خمرة؛ لأنها تستر العقل وتغطيه بتأثيرها وفعاليتها 281
على أن الخمر يصنع من ماء العنب إذا طبخ وغلي، ومن غير العنب إذا خامر العقل أو أسكر - وبذلك فمذهب الجمهور من علماء المسلمين أن ما كان من غير العنب إذا أسكر كثيره فإن قليله كذلك حرام استنادا إلى ما رواه الترمذي وأحمد وأبو داود عن ابن عمرو عن النبي (ص) قوله:"ما أسكر كثيره فقليله حرام"وقوله:"كل مسكر خمر وكل خمر حرام"وهو ما رواه مسلم وأحمد وأبو دود والنسائي عن ابن عمر.
وذهب آخرون منهم أبو حنيفة وابن شبرمة والثوري وغيرهم إلى أن غير خمر العنب إذا كان قليله غير مسكر فهو مباح 282 - وبعبارة أخرى فإن ما كان من غير خمر العنب إذا كان كثيره هو المسكر دون قليله فإن قليله إذا مباح - وهم في ذلك يعتمدون على الحديث:"إنما الخمر من هذه"إشارة إلى العنب وحده - ولا نرى ذلك إلا مرجوحا لا يمكن الاطمئنان إليه - فالراجح هو القول الأول.