وأما الميسر فهو لغة قمار العرب بالأزلام - وهو من اليسر، بفتح الياء والسين، ومعناه وجوب الشيء لصاحبه - والياسر هو اللاعب بالقداح، وقيل هو نقيض اليامن (من اليمين) - ويشمل الميسر كل وجوه القمار كالنرد والشطرنج واليانصيب وغير ذلك من أصناف اللعب المقترن بالكسب الحرام 283.
وقوله: (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) وإثم الخمر كبير حقا - وهو ما يترتب على الشرب من فاسد الخلق كالشتم والغيبة والقذف والنيل من أعراض الناس وكراماتهم وكذلك الكذب والزور وفاحش القول والخصام، ومن إثمه أن يفرط الشارب في الصلاة وأن يفتقد من شخصه كل ظاهرة من ظواهر التوازن أو الضبط والوعي.
ومن جليل ما يذكر في عاقبة الخمر ما رواه النسائي عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه- قال: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل ممن كان قبلكم تعبد، فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنا ندعوك للشهادة فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع علي أو تشرب من هذه الخمر كأسا أو تقتل هذا الغلام - قال: فاسقيني من هذه الخمر كأسا فسقته كأسا - قال: زيدوني فلم يرم (يبرح) حتى وقع عليها وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر، فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه.
أما إثم الميسر فهو كذلك كبير - وهو ينشأ عن مفاسد القمار في تلويث الصدور وإتراعها بالحسد والكراهية والرغبة في الانتقام من اللاعب المقامر الأخر لكسب ماله وإغاظته - وغير ذلك من مفاسد كالخصومات والعداوات والمباغضات وتوتر الأعصاب وشحن النفوس بالحقد - وتلك مفاسد وأضرار توقع المقامرين في الإثم الكبير.
أما نفع الخمر والميسر فهو هيّن صغير إذا ما قيس بمفاسد الخمر والميسر وأضرارهما وما يقتضيه ذلك من كبير الإثم - ونفع الخمرة كما قيل يظهر في نشوتها واستمتاع السكارى بها وما تبعث فيهم من النسيان أثناء الشرب وعقيبه - وأما نفع الميسر فلا يعدو كسبا للمال يحرزه المقامر الكاسب إذا ما أوتي حظا من البراعة أو الحيلة في اللعب - ومثل هذا النفع لكلا المحظورين يكاد لا يُذكر لدى المقارنة بالضرر الفادح الناجم عنهما؛ لذلك يقول سبحانه في تعبير قصير واضح: (وإثمهما أكبر من نفعهما) .
وجدير بالقول هنا أن بعض العلماء استدلوا بهذه الآية على تحريم الخمر؛ لتسميتها إثما؛ ولا يكون الإثم إلا حراما - ونحسب أن هذا الحكم وتوجيهه ضعيفان - ولا نستطيع أن نحكم بتحريم الخمر بناء على ما جاء في الآية أن الخمر فيها إثم، ولم يقل إنها إثم - والصواب في ذلك أن الآية جاءت في ذم الخمر لا تحريمها، أما الحريم فقد علم من آية أخرى وهي آية المائدة.
قوله: (ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو) السؤال ههنا عن حجم النفقة أو مقدارها، والجواب (العفو) مرفوع على الإخبار لمبتدأ تقديره هو - وقرئ بالنصب على المفعولية لفعل تقديره ينفقون.
ومما قيل في تأويل العفو ما ذكر عن جماعة بأنه ما فضل عن العيال، وهو مروي عن ابن عباس - وقال مجاهد: العفو صدقة عن ظهر غنى - وقيل: المراد بالعفو الزكاة المفروضة، وهو قول مرجوح، فقد ذهب جمهور العلماء إلى أن العفو هنا يدخل في نطاق التطوع.